لليوم الثالث على التوالي, يشهد المسرح الوطني لوزارة الاعلام في أبوظبي اليوم عرضه الأخير للمسرحية الغنائية (آخر أيام سقراط), والحق يقال فإن عملا بهذا المستوى الفني والطرح السياسي الجريء الذي عايشه الجمهور المتعطش لمناخ ثقافي منفتح يحسب لسمو وزير الاعلام الشيخ عبدالله بن زايد الذي رعى وتبنى العمل ولوزارة الاعلام بشكل عام. سقف الحرية كان مفاجئا ولافتا, ومستوى العمل للذين يعرفون مسرح الرحابنة كان متوقعا, وتقنيات الاضاءة والديكور وحركة المجاميع من ممثلين وراقصين كانت مبهرة لدرجة البطولة. رفيق أحمد (البطل) كان سقراط الليالي الثلاث و(هدى) كانت نكهة خاصة, أرادت استحضار طيف العملاقة (فيروز) شقيقتها, لكن الحضور يبدو مختلفا جدا بين الاثنتين, أما الاسقاط السياسي على الحالة اللبنانية فقد بدا واضحا في الكثير من الاشارات, وبشكل عام فقد أراد (منصور الرحباني) أن يكون سقراط العصر على الطريقة اللبنانية العربية, وقد نجح. تمنيت وجود مسارح ضخمة بحجم المسرح الوطني لوزارة الاعلام في كل الامارات, وتمنيت أن يعرض العمل على كل المسارح وأن يشاهده كل الناس, تمنيت وأنا أتابع العرض في أول أيامه أن يأتي يوم قريب يتعاطى فيه الناس عندنا مع المسرح كطقس اجتماعي احتفائي دائم لتأكيد الطرح الثقافي بكل ضرورياته الوظيفية في حياة تتسارع بشكل مخيف نحو هاوية (التشيؤ) وعقلية السوبر ماركت! هل يمكن أن يحمينا المسرح من الانهيار القيمي لمنظومة الثقافة؟ هذه الثقافة التي تحولت إلى ترويج فني يومي هابط لأشخاص يقال بأنهم مطربون وفنانون كل مهمتهم في الحياة افساد الذائقة والعقول, ورفع الضغط وزيادة حالة السخط تجاه القنوات الفضائية التي تعمل كشريك فعال بنسبة (51%) في المضي قدما في تكريس هذا الافساد بالاشتراك مع بعض مافيا الفن وشركات الكاسيت وسماسرة البرامج الفنية. أنا واثقة بأن قائل عبارة (اعطني مسرحا أعطك شعبا) كان على حق, وواثقة أيضا بأن المسرح يستطيع ذلك, وهنا يجب التنويه بأن الرجل لم يكن يقصد مسرح (حزمني يا...) أو مسرح التهريج و(الكلام الفاضي), المقصود هنا مسرح التوعية والتثقيف وطرح القضايا الهامة بجرأة, ومعالجتها بواقعية بعيدا عن الاسفاف وعن الرقابة. فإذا اعتاد الناس على هكذا مسرح, وإذا تعاطى رجل السلطة مع هكذا طروحات مسرحية جادة, وعندما تتبنى الدولة بجدية ووعي ثقافة المسرح بعيدا عن حساسيات النقد المؤلم واسقاطاته, عندها نستطيع أن نقول: لقد وضعنا أرجلنا على درجة أخرى من درجات الطريق الشاق, طريق البناء الصحيح. لابد أن يناقش الناس أمورهم بشكل جاد وواع ومنفتح بعيدا عن الغوغائية والدسائس والجهل, في البرلمانات يحدث ذلك, وعلى المسارح أيضا, ولذلك فمنصور الرحباني يضع على لسان ممثليه هذه الجملة بكل جرأة (فتش تانفتش, عن جمهورية حارسها الضمير, معقول في شي دولة رئيسا فقير, وفيها القانون بيمشي عاولاد الوزير, لا رشوة فيها ولا محسوبية, وما حدى بيتعدى باسم الحرية؟؟) هذا السؤال يطرحه رجل الشارع هامسا, ووحده المسرح يقوله عاليا مجلجلا أمام آلاف المشاهدين بمن فيهم رجال السلطة!