رغم ان الاجراءات التي اعلنتها الولايات المتحدة هذا الاسبوع في اطار تخفيف العقوبات الاقتصادية الامريكية المفروضة على ايران تنبئ عن تغيير جوهري في سياسات واشنطن تجاه طهران الا ان هذه الاجراءات تظل في تقديري مجرد بالون اختبار لمعرفة الى اي مدى يمكن لتيار الاصلاحيين في ايران ان يجرؤ على المساومة فيما يعتبر ثوابت ايرانية. الاجراءات الامريكية تنحصر في اطار محدود ذي طبيعة تجارية ومالية, بعيدا عن الشأن السياسي, رغم ان بيان السيدة مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية اشتمل على سرد خلفيات سياسية من بينها ان الولايات المتحدة تقر بخطئها في مساندة شاه ايران ضد شعبه وفي دعم العراق في حربه ضد ايران خلال عقد ثمانينيات القرن الماضي. على الجانب التجاري اعلنت واشنطن قرارا بالغاء الحظر الاستيرادي على سلع ايرانية معينة هي الكافيار والسجاد والفستق والفواكه المجففة. وعلى الجانب المالي اعلنت ايضا انها بسبيل فك تجميد ارصدة مالية ايرانية في البنوك الامريكية تبلغ نحو 12 مليار دولار. هذه الاجراءات الامريكية تبدو في ظاهرها وكأنها تنازلات كبيرة لصالح ايران. لكنها ليست كذلك تماما. فإعادة فتح السوق الامريكية لصادرات سلعية ايرانية يدخل في باب التبادل التجاري الذي يستفيد منه الطرفان في آن معا. لأنه في المقابل سوف تفتح طهران سوقها لسلع امريكية معينة. هذا القياس ينطبق ايضا بصورة ما على الاجراء الامريكي لفك تجميد الارصدة الايرانية. فبقدر ما سوف تستفيد الدولة الايرانية من هذا الاجراء باعادة السيطرة على الارصدة واستثمارها بصورة او بأخرى فانه سوف تستفيد ايضا شركات امريكية كانت تتعامل مع ايران قبل قرار التجميد ولها مطالبات مالية على مؤسسات ايرانية سوف تسدد من الارصدة المذكورة عند رفع الحظر عنها. تأسيسا على ذلك لا يمكن القول ان هذه الاجراءات الامريكية تفيد ايران وحدها ولذلك فانه ليس من المبالغة اذا اعتبرناها اجراءات ذات مدلول رمزي فقط او ان شئت بادرات لاظهار حسن النية.. لكن افضل أن اسميها ببالون اختبار. لماذا؟ لأن ما تريد الولايات المتحدة ان تعرفه بعد اكتساح الاصلاحيين في ايران للانتخابات التشريعية مؤخرا واكتساح مرشحهم لرئاسة الجمهورية محمد خاتمي قبل ثلاث سنوات هو مدى تجاوبهم مع الايماءات الرمزية التي تمثلها الاجراءات الامريكية المشار اليها: هل هم على استعداد لاعتبار هذه الاجراءات وما ترمز اليه فاتحة لقبول الدخول في تفاوضات حول قضايا سياسية مما تعتبره ايران (ثوابت) ؟ على وجه التحديد تريد الولايات المتحدة ان تعرف ما اذا كان النظام الايراني بأوراق اعتماده الاصلاحية مستعدا لمناقشة الرؤية الايرانية لعملية السلام في الشرق الاوسط. هنا يجب ان نستعيد الى الذهن الثوابت الامريكية الخارجية تجاه المنطقة. فالتعامل الامريكي مع منطقة الشرق الاوسط ينطلق اساسا من اعتبارات حماية امن اسرائيل. وعلى هذا الاساس فإن واشنطن تستنكر الموقف الايراني الثابت حتى الان تجاه عملية السلام. واذا قبل الايرانيون مبدأ التناقش حول هذه المسألة فإن الهدف الامريكي سوف يكون محاولة استقطاب لتحييد الموقف الايراني نحو اسرائىل على اقل تقدير. في هذا السياق ايضا نعلم ان ايران تدعم (حزب الله) اللبناني وكفاحه المسلح بينما تصنف الولايات المتحدة هذا التنظيم كمنظمة ارهابية.. وبالتالي تعتبر ايران دولة راعية للارهاب. فهل ايران على استعداد للدخول في مساومة مع الولايات المتحدة يمكن ان تنتهي الى ان ترفع طهران يدها عن (حزب الله) ؟ الاجابات على هذه التساؤلات وامثالها ليست متوافرة حاليا بالنظر الى ان اجندة الاصلاحيين الايرانيين على الصعيد الخارجي ليست حتى الان واضحة. فلننتظر لنرى كيف تتفاعل اللعبة المثيرة بين الولايات المتحدة وايران في المستقبل المرئي.