للفيلسوف اليوناني القديم هيرقليطس (حوالي 544 - حوالي 483 ق.م) جملة شهيرة (إن المرء لا يستطيع أن ينزل النهر الواحد مرتين) . ومعناها ان مياه النهر تتجدد باستمرار, ولذلك فإنه في كل مرة ينزل الإنسان فيها للنهر سوف يجد مياهها جديدة. والمغزى من ذلك أو المراد قوله هو: إن الحياة في تغير وتبدل مستمرين. طبعا هذه النتيجة تبدو بديهية ضمن مفاهيمنا الراهنة. لكنها لم تكن كذلك على الأرجح عند الأقدمين. والأهم ان تطبيقاتها العملية المختلفة, لا تبدو بمثل البساطة التي تظهر بها, كفكرة مجردة حتى يومنا هذا. إن القائلين مثلا بضرورة العودة للتراث بوصفه الطريق الوحيد للتقدم والتطور, لا يمكن القول انهم لا يدركون أهمية التبدل والتغير في الحياة. انهم يعون هذا الأمر بكل تأكيد. بيد أن المشكلة أو الاختلاف يكمن في النتائج المترتبة على ذلك, وفي عدم فهم قوانين الحياة. فهم يعتبرون ان ثمة ما هو ثابت ومقيد, وثمة ما هو متغير وقابل للحركة. الواقع كذلك ان الكثير من الناس يفعلون الشيء نفسه. فالأفكار التي تروق لكثيرين من البشر, ومهما كان عمرها الزمني, تشكل في نظر الزمان ماضيا وهي لابد انها وجدت في لحظة معينة وكانت صالحة لها. لكن بعض الناس يتعلقون بها حتى بعد مضي تلك اللحظة بزمن يطول أو يقصر. المشكلة التي تثار دائما في هذا الصدد هي كيفية تطبيق قانون التبدل والتغير على هذه الأفكار وهل يوجد لدينا ما نستطيع به أن نفرز ونميز بين الأشياء, فنقول: ان هذا يصلح لخمس سنوات وذاك لعشر وهذا لمئة وذاك لألف سنة وهكذا؟ وبمعنى آخر هل الحكم هنا هو للزمن والواقع, أم للإنسان ذاته؟ إن الملاحظ ان كثيرا من الأفكار قد ينتهي زمنها أو أجلها المفترض, ولكنها مع ذلك تواصل الوجود, وهناك من يتمسك بها ويدافع عنها ويتحين الفرصة لاعادتها لمجال الفعل وميدان العمل. بل ثمة من يلجأ إلى استدعاء حوادث معينة, واسقاطها على الظروف الراهنة التي يعيش فيها, رغم مضي قرون طويلة على تلك الحوادث! إن الحادثة هي وحدة أو جزئية تاريخية قائمة بذاتها. والمعرفة المستخلصة منها, لا يمكن أن تتكرر حتى مع حوادث مشابهة. إن التشابه هنا لا يمكن أن يكون تاما. لأن الظرف التاريخي الذي أنتجها ليس مجرد زمن. بل إنه عبارة عن وحدة متكاملة, من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والبيئية التي وقعت تلك الحادثة في ظلها. ونحن إذا جردنا أية حادثة من هذه العوامل, فما الذي سنحصل عليه؟ سنحصل على مجرد قصة أو مأثورة أو نصيحة وما شابه. وهذه قد تصلح لتضمينها في كتب الأخبار وعاديات الدهر, لكنها قطعا لا تصلح كقواعد وأسس. أما إذا نظرنا للحادثة في اطار سياقها التاريخي, أي اطار تشكلها وفق تلك العوامل, فإننا نستخلص منها التجربة أو المدلول الذي يحفزنا على التفكير بنفس الطريقة أو المنهج. إن مشكلة الباحثين في الماضي أو التراث عن حلول لمشاكلهم المعاصرة, انهم لا يتوقفون عند المدلولات, أو لا يعيرونها الاهتمام الكافي. وهذا أمر مفهوم ومتوقع, لانهم لو تصرفوا على نحو مختلف, فإن ذلك التراث أو الماضي يصبح زمنيا, أي خاصا بزمن معين, ويسري عليه قانون التغير والتبدل, ولا يصلح حلا أو علاجا لمشكلة معاصرة. وفي هذه الحالة, لن يكون ثمة ما يدعو للعودة إليه أصلا, فالمنطقي أنه سيجري التفتيش عن حلول من خلال الواقع المعاصر نفسه. بما ان هذا الواقع هو ذاته نتاج لتراكم المعارف البشرية. من هنا فإن هؤلاء يقعون في اشكالية حقيقية, وليس مجرد تناقض أو اختلاف نظري. ويتجلى ذلك واضحا في التطبيق العملي. ففي هذا الجانب يجد الداعون للتراث أنفسهم ازاء خيارين, لا ثالث لهما عندما يريدون تطبيق ما ينادون به على أرض الواقع: * الأول هو انهم بحاجة إلى اعادة انتاج ذلك التراث أو الماضي, بظروفه الأصلية, واستحضاره في الحاضر. كي تتم بعد ذلك الموائمة بين الأفكار والواقع. وهكذا فإن الوقوف عند التراث واعتباره هو كل الحاضر دعوة خيالية ومستحيلة التطبيق بل انها تبعد من يتمسك بها عن خيارات التعامل مع الواقع والتكيف معه بشكل صحيح يمكنه من التعامل مع الحاضر والمستقبل.