لا يزال استشراف المستقبل بخيره وشره حلما يراود البشر أفرادا وجماعات, ومع اقتحام البشرية لبوابة الألفية الثالثة فإن الحديث عن المستقبل وما يحمله بين طياته من خير وشر يظل هاجسه ينتابنا جميعا, أفرادا وجماعات, حكاما ومحكومين. ان استشراف مستقبل أمتنا لا يعد ترفا فكريا, وانما هو واجب ضروري لتفحص علمي للمخاطر والآمال الكامنة في المياه الجديدة التي سنبحر فيها في القرن المقبل. لنتعرف على بعض من مساراتها وتياراتها التي قد تجرفنا هنا أو هناك. السعي الأول لاستشراف مستقبل الأمة العربية أو بلدانها الرئيسية يدفعنا إلى طرح مجموعة من التساؤلات المركبة حول طبيعة النظرية ومنهجية البحث المسترشد بها عند قراءتنا للماضي وتفهمنا للحاضر بغية استشراف آفاق المستقبل, فالتأطير النظري البين للمعايير المستخدمة بمقارنة المحصلة المتوقعة من الاستشراف مع المتحقق في المستقبل الفعلي أمر لا غنى عنه لمعرفة دقة المنهج المستخدم وعلميته, كما ان التعرف على المدى الذي يرتبط فيه استشفافنا للغد بقيم وأهداف محددة يرجى تحقيقها أمر ضروري لاضفاء طابع عقلاني على أنماط سلوكنا المستقبلي. وبطبيعة الحال فإن التعرف على محاور الاستراتيجية المتبناة لتحقيق الأهداف القومية المتوخاة سيبلور رؤية شاملة في أنماط تفاعلنا مع الآخر والأكثر أهمية تفاعلنا مع الذات. وإذا كانت الاستراتيجية علاقة بين وسائط وأهداف, فما هي سبل تكييف وصياغة الامكانيات المتاحة لتحقيق الأهداف كافة؟ ثم ما هي وسائلنا لتحقيق ذلك؟ فالوسائل والأدوات ليست محايدة وليست قضية تكنيكية أو فنية محضة بل تعكس استراتيجيتنا في مواجهة المستقبل وما يحتويه ذلك من مسلمات وتصورات نظرية وعقائدية. سيولة دولية يتخطى الاستشراف العلمي الدقيق لآفاق المستقبل العربي حدود الرفاهية الفكرية ويتجاوز في أهميته حدود الاكاديمية المغرقة في انعزاليتها, فالاوضاع التي تمر بها الأمة العربية تجعل من استشراف الغد قضية مصيرية تتطلب اهتمام الجميع, بيد ان معرفة الآفاق المستقبلية لجماعة بشرية يتطلب درجة ملحوظة من استقرار السلوك المجتمعي ويقينية عامة بمسلمات وقيم رئيسية, يمكن الانطلاق منها لبناء السيناريوهات المستقبلية بدرجات احتمال متباينة القوة. ولكن مطالعة الشأن الدولي الراهن على الأصعدة كافة تكشف لنا تجاوز التطورات المعاصرة لحدود التغيير متسارع الوتيرة وهو ما يمكن فهمه وتحليله والتنبؤ بمساره إلى حالة من السيولة المفرطة تجعل من الصعب استيعاب المسار الحالي للظاهرة الواحدة, ناهيك عن السعي لاستشراف الآفاق المستقبلية بمصداقية واسعة النطاق. وهنا تحديدا تكمن نقطة الضعف الرئيسية لدى العاملين في مجال الدراسات المستقبلية حاليا, فالقفزات النسبية التي حققتها دراسات استشراف الغد في أعقاب الحرب العالمية الثانية, وتمتعها بانتشار واسع النطاق في الجامعات والمراكز الأكاديمية الرئيسية في العالم, وما حظيت به من مركز مرموق لدى صناع القرار الاستراتيجي بعد ان أثبتت دقتها بدرجة مقبولة, تواجه الآن صعوبات جمة اثر انهيار الثبات النسبيل الذي ساد المناخ الدولي إبان سنوات الحرب الباردة. فبحوث المستقبليات السابقة اعتمدت على مسلمات رئيسية لتنافس المعسكر الرأسمالي والاشتراكي, وتبنت مفاهيم ضمنية ثابتة كالردع النووي, وارتكزت على قناعات مبلورة بسعي دول العالم الثالث للاستفادة من الصراع الدولي لتحقيق مكاسب خاصة تمكنها من ترسيخ مواقعها على الساحة الدولية, ووسط هذا المناخ من استقرار القيم النسبية للمفاهيم الحاكمة للمجتمع الدولي بل واستقرار حركة المجتمع الدولي ذاته كان من اليسير على الباحثين المستقبلين صياغة الغد بوصفه امتداداً لحاضر واضح المعالم والبصمات, ولم يكن تعثر هنا أو اخفاق هناك, يمنع من ان يكون المستقبل تطور بشكل أو آخر للصيغ المتعارف عليها من العلاقات الكونية. بطبيعة الحال انهار هذا الثبات النسبي بتفكك المعسكر الاشتراكي وسيطرة الغموض على مجرى تطور الحدث الدولي, ومن ثم المجتمع العالمي ككل, ولم تعد الصعوبة تقف عند حدود استشراف المستقبل, بل الأكثر خطورة امتدادها لفهم مدلولات الحاضر والعجز عن توصيفه إلا بمصطلح السيولة أو الضبابية, وهو ما يغيب تماما الشرط الأول للاستشفاف الدقيق للغد واعني الثبات النسبي للحاضر وفهم أحداثه واستيعابها. عقبات صعبة بيد أن صعوبة استشفاف المستقبل بالنسبة للأمة العربية أو القوى الفاعلة بها لايقف عند هذه الجوانب التي يسري مفعولها علينا وعلى غيرنا من الأمم, فالملاحظ ان الارتكاز على قاعدة صادقة ودقيقة من المعلومات والبيانات الاحصائية يعد شرطا أساسيا من شروط الاستشفاف العلمي والدقيق للمستقبل, ولا نتحدث هنا عن اقتصار قاعدة البيانات المتاحة على احصائيات اجمالي عدد السكان وتوزيعهم داخل النطاق الوطني بل ان الاستشراف الصائب للمستقبل لن يتم دون شبكة متكاملة ومترابطة من المعلومات الدقيقة والتفصيلية عن هيكل المجتمع وشرائحه وميوله الفكرية والثقافية وتوقعات أفراده وجماعاته المختلفة تجاه المستقبل, فعلينا ان نتذكر دائما ان المستقبل فعل ارادة بشرية أولا وأخيرا, فإذا كانت البيانات المتاحة غير دقيقة أو غائبة فيجب ألا نتوقع من مستشرفي الغد غير مجموعات غائمة من السيناريوهات المحتملة لا تتسم بغياب الدقة وحسب وانما تنعدم البيانات الرئيسية ذاتها, والتي لا يمكن بدونها مجرد التفكير في استشراف الآفاق المستقبلية للمجتمع. وعلينا مثلا أن نسأل أنفسنا كيف يمكن لنا التحدث عن استشراف مستقبل الصومال المنسي, والسودان الممزق بحربه الأهلية وصراعاته الداخلية, والعراق المحاصر, فمع غياب الحد الأدنى من البيانات الاحصائية سيتضمن استشراف الغد قدرا كبيرا من المخاطرة والمجازفة التي قد تنقلنا من الآفاق المتوخاة للعلم إلى مجاهل عالم التنجيم! أضف لهذا ان غياب الشفافية السياسية والاقتصادية في عالمنا العربي يجعل المتاح من المعلومات ذات التأثير الفعلي في رسم الخريطة المستقبلية أقل بكثير مما يجب, فغالبية المعلومات الهامة لا تتوفر إلا لعدد محدود من صناع القرار الاستراتيجي أو الدوائر المحيطة بهم, وتستبعد الغالبية العظمى من الباحثين الاكاديميين من فرصة المساهمة الجادة في استشراف المستقبل نتيجة الحجر المفروض على سيولة المعلومات الحيوية. بيد ان عراقيل الاستشراف العميق للمستقبل خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين لا يجب أن تكون عاملا لاستشراء اليأس بين الأكاديميين والمفكرين المعنيين بعلوم المستقبليات, فما لا يدرك كله لا يترك كله. ورغم الصعوبات التي تواجهنا يمكننا وضع مجموعة من الخطوط العامة العريضة لما يعتقد انه تناقضات رئيسية ستهيمن على مسار عملية التطور المستقبلي في المنطقة العربية, على أن يتابع بدقة مسار هذه التناقضات ومدى تحققها مستقبلا, ليتحول استشراف المستقبل إلى صراع جدلي يستبعد منه التوقعات التي يثبت المستقبل عدم صحتها, وتركيز المزيد من الفهم والتدقيق على ما يثبت المستقبل صحته أو يشتمل على بذور صوابه. قضية محورية قضية الهوية بأبعادها وتشعباتها المتشابكة قضية محورية في الفكر العربي المعاصر, ولكن التغييرات الفكرية والسياسية التي تموج بها المنطقة, والأطروحات الجديدة المغايرة لمفهوم الهوية الذي ساد بها تقليديا, يجعل من الموضوع بجدلياته المعقدة تحديا خطيرا يواجه المنطقة ومفكريها خلال الربع الأول من قرننا المقبل. إلا ان أهمية الموضوع لا تعني انحصار الهم العربي المستقبلي فيه وحسب, فهناك العديد من المشاكل الملحة الأخرى, ولكن مشكلة الهوية تحديدا تحتل موقعا مميزا بين كافة المشاكل العربية الأساسية الراهنة والمستقبلية. فاتفاق النخبة الثقافية باتجاهاتها المتباينة على مسلمات أساسية واسعة النطاق في هذا الموضوع يهيئ أرضية خصبة للانطلاق إلى آفاق أوسع في بحثنا عن اجابات للتحديات الأخرى التي تواجهنا. كما انه سيفرغ جزءًا كبيراً من الطاقات الفكرية والمادية المستنفذة في التعامل مع هذه القضية للتصدي لغيرها من المشاكل. بل الأكثر أهمية ان حسم قضية الهوية في التفكير العربي المعاصر سيضفي على منهجية السلوك المستقبلي في تعاملنا البيني وتفهمنا للآخر درجة أعلى من الرشادة, تمكننا من وضع الأمور في نصابها الصحيح وتقليص الطاقات المستنفذة في التفاصيل, وبما يتيح ذلك من فرصة أعمق لفهم الآخر والذات وفق مفاهيم العصر الحديث وليس بمرجعية القيم التاريخية. إلا ان قضية تحديد الهوية لا تعني عقد ندوة أو منتدى فكري لمثقفي الأمة بغية التوصل إلى قول فصل ترفع به توصيات للقيادات السياسية لتغير خطابها الاعلامي حول ماهية هويتنا الجديدة في الألفية المقبلة, لينتقل النقاش بعد ذلك إلى نقطة جديدة في قائمة التحديات التي تواجه أمتنا. قضية الهوية قضية ديناميكية جدلية, وإذ كان من الصعب إن لم يكن مستحيلا صياغة مفهوم الهوية بالتناقض مع التجربة التاريخية, فإنه سيكون ضربا من العبث تحديدها بمنأى عن الواقع المعاش و(ميكنزمات) تفاعله التي قد تتناقض والمعتقد الأيديولوجي لدى البعض. وبذلك فإن تحديد الهوية وخاصة في المراحل الانتقالية من تاريخ المجتمعات يصاغ بالأساس من خلال اصطدام الموروث الثقافي مع الواقع المعاصر وما يتمتع به من سيولة, لتعبر الهوية في محتواها النهائي عن توازنات لحظة تاريخية راهنة بتناقضاتها الداخلية المتباينة.