مثقفو جنوب السودان 3 ـ3 ، بقلم احمد عمرابي

من بين كافة مثقفي جنوب السودان أستثني رجلين عظيمين: وليام دنيق وجوزيف قرنق (لاعلاقة بينه وبين جون قرنق).. وكلاهما ماتا قتيلاً. كان وليام دنيق إداريا مرموقاً التحق بحركة التمرد الجنوبي الأول وفر من السودان في منتصف ستينيات القرن الماضي الى نيروبي ليشكل هناك (الاتحاد الوطني الافريقي السوداني) الذي اشتهر اختصارا باسم (سانو) وقد صار لهذا التنظيم السياسي ذراع عسكرية أطلق عليها (أنيانيا) (اسم حشرة سامة). وإذا كان وليام دنيق زعيماً للتنظيم السياسي فانه اتضح لاحقاً أن القادة العسكريين للتنظيم القتالي هم الأشد نفوذاً. ثبت ذلك عندما عقد في الخرطوم عام 1965 موتمر للسلام بين القادة الجنوبيين والقادة الشماليين عرف باسم (مؤتمر المائدة المستديرة) . هذا المؤتمر فشل لأن الزعماء الشماليين لم يكونوا على استعداد لتقديم أكثر من صيغة حكم ذاتي لجنوب السودان في اطار الدولة الموحدة ولأن الزعماء الجنوبيين لم يكونوا على استعداد لقبول شيء أقل من تقرير المصير. فماذا كان موقف وليام دنيق؟ لقد تقدم هذا السياسي النظيف ذي الفكر الرصين والنزاهة ونبل المقصد بصيغة وسطيه هي النظام الفيدرالي. لكن الفكرة رفضها كل من الزعامات الشمالية والجنوبية المشاركة على حد سواء. ومما هو جدير بالتسجيل ان دنيق باقتراحه هذا كان يتحدى القادة العسكريين لتنظيم (سانو) الذي كان بقيادة (الجنرال) تيفنق, كانوا يتحكمون من على بعد وهم في نيروبي في مسلك المفاوضين الجنوبيين داخل المؤتمر في الخرطوم. ومع انفضاض المؤتمر قرر وليام دنيق البقاء في السودان ليواصل نضاله السياسي, ودخل في تحالف مع (حزب الامة) بعد أن اقتنع الصادق المهدي بالدعوة الفيدرالية. لكن يبدو أن (الجنرال) تيفنق لم يشأ ان ينسى تحدي دنيق. وجرى اغتيال وليام دنيق داخل السودان بتدبير من قائد (انيانيا) . جوزيف قرنق كان سياسياً اعتنق مذهباً أمميا هو الماركسيه اللينية, وبهذه الصفه كان من قادة الحزب الشيوعي السوداني علماً بأن هذا الحزب تنظيم شمالي. وهكذا كان قرنق مناضلاً وطنياً يسترشد بفكر سياسي عالمي قوامه نظريات الصراع الطبقي.. لا المشاحنات العنصرية. ولهذا فإن قرنق.. مثل رفيقيه الشماليين في قيادة الحزب الشيوعي, عبدالخالق محجوب والشفيع أحمد الشيخ, قتل كماركسي لا كجنوبي بعد أن حكم عليه وعلى رفيقيه الشماليين الرئيس نميري بالاعدام شنقاً عام 1971. وأعود الى السؤال الأصلي: لماذا يعتمد المثقفون الشماليون نهج التدليل كسياسة تقليدية للتعامل مع نظرائهم الجنوبيين؟ قلت في الحلقة الأولى: ان المثقف الشمالي تحكمه دون ان يعي عقدة نفسية تعود جذورها الى تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر. هي عقدة ذنب يستشعرها المثقفون الشماليون تجاه النخب الجنوبية وكأنهم مسئولون عن ذلك الإرث القبيح. لكنها عقدة ليس لها ما يبررها موضوعيا. فالأجيال الراهنه من المثقفين الشماليين ليس لهم اي علاقة بتجارة الرقيق.. ثم ان تجارة الرقيق نفسها كانت في القرون السابقة تجارة عالمية كان لها شبكات أوروبية تمارس نشاطها ما بين افريقيا والولايات المتحدة.. ولم تكن, وفقاً للقيم الاخلاقية التي كانت سائدة في تلك الحقب, موضع إدانة كما صارت لاحقا.. علماً بأنها ممارسة تحظرها كل الأديان السماوية. وسياسة التدليل التي ينتهجها المثقفون الشماليون تبدو وكأنها مسلك اعتذاري بلا أساس من الحقيقة والواقع الحاضر.

تعليقات

تعليقات