البارحة توقفت طويلا عند الصور التي نشرتها الصحف لاحداث التظاهرة التي قام بها 300 شخص في لبنان امام منزل رئيس الوزراء (سليم الحص) احتجاجا على قرار ابعاد عناصر الجيش الاحمر الياباني من لبنان, وما لفت نظري هو طريقة العنف البالغ التي تعامل بها رجال الدرك ومكافحة الشغب مع المتظاهرين, حيث اظهرت الصور اشكالا من العنف. هذا العنف استخدم ضد متظاهرين ارادوا ان يعبروا عن احتجاجهم ضد قرار الابعاد بترديد هتافات تنديد لا اكثر, فهل هذا الشكل من اشكال التعبير عن الرأي يستحق كل هذا العنف الذي راحت ضحيته مجموعة من المصورين التابعين للوكالات العالمية الذين تعرضوا للضرب هم ايضا وصودرت افلامهم. انا اعلم ان طبيعة الحال في العالم العربي تعتبر هذا السلوك واحدا من حقوق السلطة التنفيذية بحجة حفظ النظام الذي تتسبب مثل اعمال الشغب هذه في بلبلته وانتهاكه, وعليه فان قدرا ولو ضئيلا من حرية التعبير وديمقراطية التحرك لا وجود له في المناخ العربي, ربما لاعتقاد السلطة العربية بان هذه الاعمال تفسد المناخ والبشر والوطن والمواطن, وربما تعتقد بان المواطن العربي لم يصل لسن الرشد بعد ليمارس الديمقراطية. واعلم بأن الضرب بالهراوات الغليظة واعقاب البنادق ومصادرة كاميرات وافلام المصورين تعتبر اشكالا من التعامل الانساني الرحيم مع المتظاهرين قياسا باستخدام الرصاص البلاستيكي واحيانا الذخيرة الحية والمياه الحارة والقنابل المسيلة للدموع لتفريق المتظاهرين في مناخات عربية اخرى أو عالمثالثية أو حتى غربية وامريكية. وعلى ذكر القنابل المسيلة للدموع فأنا اتذكر تماما المرة الاولى التي سافرت فيها إلى كراتشي العام 1979 وبمجرد دخولي المنزل الذي سأسكنه فترة تواجدي هناك, صعدت السلم للطابق الثاني ومن شرفة المنزل لمحت حشودا بشرية من المتظاهرين تسد الشارع الذي يطل عليه المنزل, وسيارات شرطة, وفجأة سقط شيء في الشرفة واحسست بأن نارا قد اندلعت في عيني, صرخت برعب وألم, ولا اتذكر بعد ذلك سوى (سطل) الماء البارد الذي غمرت رأسي فيه زمنا والكمادات وبعض العلاجات الوقائية السريعة التي اسعفني بها افراد العائلة الباكستانية التي كنا ضيوفا عندهم. لقد كانت قنبلة مسيلة للدموع, كنا نتفرج عليها تلقى على المتظاهرين في نشرات الاخبار وكأنها لعبة, لكنها في الحقيقة اختراع مرعب وشرس لمواجهة اصحاب الرأي الاخر أو المتظاهرين المسالمين, ولا ادري كيف ومتى جلس اناس ذات زمن سحيق وخططوا لابادة اصحاب الرأي الاخر المخالف لرأي السلطة أو اصحاب النفوذ أو الحكومة وبكافة اشكال الشراسة والعنف, مع ان نظرية تكوين الحكومة تقوم على فكرة معاكسة تماما. (جون لوك) صاحب كتاب (العقد الاجتماعي) يقول: إن الحكومة ليست سوى اتفاق ضمني أو عقد اجتماعي, ارتبط فيه الشعب مع الحكومة على اساس التنازل عن جزء من حريتهم وسلطاتهم للحكومة مقابل قيام الحكومة بمهمة تسيير امورهم وتوفير متطلباتهم والدفاع عنهم, ومتى ما طغت الحكومة حق للشعب الغاء العقد.