مثقفو جنوب السودان 2 ، بقلم احمد عمرابي

أبادر فاعتذر للقراء الكرام عن انقطاع الحديث حول الموضوع (لعوامل فنية) وأواصل: في الحلقة السابقة تحدثت عن سياسة تدليل السياسيين الجنوبيين على يد نظرائهم السياسيين الشماليين مما اغرى الجنوبيين بالانغماس في الفساد المالي والسياسي مع الشماليين, واقول الان ان هذا الفساد يشمل ايضا الجنوبيين الذين اختاروا العمل في الخدمة المدنية كموظفين. مثل الوزير الجنوبي, فإن الموظف الجنوبي لا يتوقع ـ كنظيره الموظف الشمالي ـ ان يحاسب او يحاكم على سوء السلوك الوظيفي واستغلال المنصب الوظيفي, وسياسة التدليل في هذا الصدد لاتقتضي التغاضي عن سوء السلوك فحسب بل تقتضي ايضا ترقية الموظف الجنوبي بطريقة استثنائية او تعيينه في منصب ليس هو اهلا له. وقد شحذت الذاكرة فلم استطع ان استحضر الا اسم وزير جنوبي واحد تعرض لمحاكمة بتهمة فساد, ففي كل مرة يسقط نظام حاكم وتقام محاكم لقضايا الفساد يقدم الى المحاكمة وزراء شماليون ومعهم موظفون كبار من الشماليين ايضا.. وربما تجار شماليون كذلك لكن يغض الطرف عن شركائهم من وزراء وموظفين جنوبيين. هذا مما يفسر لنا تنقل سياسيين جنوبيين بين مختلف الانظمة الحاكمة على تناقضها من مدنية وعسكرية وديمقراطية واستبدادية, كوزراء يهبط الوزير الجنوبي من قطار نميري ليركب في قطار الصادق.. ومن قطار الصادق الى قطار الجبهة.. وفي كل منها يحقق ثراء شخصيا وهو مطمئن انه لن يمثل امام محاكمة مثل نظرائه من الشماليين. ومن اقرب الامثلة الوزير (ألدو اجو) اشتغل وزيرا في النظام الديمقراطي الحربي مع رئيس الوزراء الصادق المهدي وعندما سقط النظام الحربي التحق كوزير مع نظام (الجبهة) الذي انقلب على النظام الحربي ثم بعد ذلك دفعه الطموح الى طريق الاثراء بالعملة الصعبة. فانضم الى حركة قرنق. ومن امثلة الاثراء الداخلي الذي يفضي بصاحبه الى الاثراء الخارجي ايضا: بونا مالوال الذي خدم نظام نميري الدكتاتوري بينما هو يطالب الان من داخل صفوف حركة قرنق بالديمقراطية بينما يعمل لحساب منظمات مسحية كاثوليكية غربية. وهناك فرانسيس دنيق الذي خدم نظام نميري ايضا كوزير ثم خرج لاحقا للالتحاق بمعهد بحثي (معهد بروكنقز) الذي يتلقى تمويله من وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية. والشيء بالشيء يذكر: هل أبدا توقف احدنا ليتساءل: لماذا تحرص السفارات والبعثات الدبلوماسية الغربية في الخرطوم على استخدام الجنوبيين السودانيين دون الشماليين ابتداء من وظيفة الحارس الى وظيفة الكاتب والسكرتير؟ اجمالا, فإن فساد النخبة الجنوبية خلال فترة الحكم الذاتي للجنوب لمدى الاحدى عشرة سنة مابين عام 1972 و 1983 لا يعدله شيء لقد كان فسادا بالجملة. في تلك الفترة صار لجنوب السودان للمرة الاولى حكومة اقليمية بطاقم كامل من الوزراء ووكلاء وكبار موظفي الخدمة المدنية وبرلمان هؤلاء العشرات من كبار الشخصيات كانوا يفدون بعد ساعات الدوام الرسمي الى (فندق جوبا) الحكومي ليأكلوا ويشربوا يوميا بالمجان, والشراب من جنس الكحوليات واضرابها, وما كان على الوزير او الوكيل او العضو البرلماني الا التوقيع على فواتير تخصم من اعتمادات مالية حكومية يتحملها في نهاية المطاف دافع الضرائب في الشمال, اما ميزانيات الاجهزة الحكومية التي كان يشرف عليها هؤلاء السادة فقد كانت مستباحة تماما. من الشمال كانت تصل بانتظام البواخر النيلية محملة بالذرة والسكر بالاضافة الى كراتين الخمور الغالية وقرب نهاية كل شهر يطير صرافو (بنك السودان) المركزي من الخرطوم الى جوبا يحملون اكياسا ممتلئة بأوراق النقد لصرف الرواتب والاعتمادات الاخرى للمسئولين والموظفين الجنوبيين. واستطيع ان اقول باختصار ان جنوب السودان يكلف الشمال في حالة السلم من حيث الهدر المالي الناتج عن الفساد او الانفاق العادي بقدر ما يكلفه في حالة الحرب.

تعليقات

تعليقات