في روايتها (فوضى الحواس) تتحدث الكاتبة الجزائرية (أحلام مستغانمي) عن حكاية شقيقها ناصر وعلاقته بقضية بلاده الجزائر وتعلقه بوطنه من خلال قضيته, تقول أحلام: ناصر عمره سبع وعشرون سنة, يصغرني بثلاث سنوات, ويكبرني بقضية, لقد جاء العالم كهذا, حاملا قضيته معه, كما نحمل أسماء لا نختارها وإذ بنا نشبهها في النهاية. اختصرت (أحلام) الفرق بينها وبين شقيقها وجعلت الفرق هائلا بحجم (قضية) وإلا فلا فرق في اللون والطول وشكل العينين, الفرق إذا أردناه حقيقيا بين الناس فليكن على طريقة (أحلام مستغانمي) ليكن بهذه الحدة وبهذا الوضوح, وبه يمكن احتساب الفرق بين الناس بشكل أكثر دقة. وأسوأ ما يمكن ان يقع فيه الانسان هو ان يحتسب عمره وتاريخه وذاكرته بعدد الأبناء والأوراق النقدية التي تشكل أرصدته في البنوك, أسوأ ما يمكن ان يكون فارقا بين انسان وآخر هو ما يمتلك الأول وما يمتلك الثاني, حينها يصبح الفرق مجموعة ملابس وأطعمة وأثاث وسيارة وتذاكر سفر و.. يمكن ان توفرها النقود, هل يمكن ان يصبح الفرق بين البشر بهذا المستوى؟ (أحلام مستغانمي) كانت ذكية جدا بحيث وضعت قلبها على حافة المأساة ورسمتها في كلمات موجزة (أكبره بسنوات ويكبرني بقضية) فمن هو الأكبر يا ترى؟ بلا شك هو صاحب القضية, حيث يشكل الاستمرار في الزمن حتى وان طال عبور النفق, حتى وان وصل الجميع وارتاح الكل, حتى وان بدا ان القبح منتصر, وان اصحابه يمتلكون الأبواب والمفاتيح ومكبرات الصوت والصدارة. ما الذي جعل ناصر ـ شقيق احلام في الرواية ـ أكبر وصاحب قضية؟ لأنه ـ كما تقول ـ تقاسم مع الوطن كل شيء, يتمه وفقره واسمه, حتى صار ذاكرته غير المدللة, ذكرني كلامها بحديث أدلى به المخرج المصري يوسف شاهين حينما سئل عن عدم هجرته للخارج رغم العروض التي جاءته ورغم ظروف التمويل والانتاج السينمائي في مصر فقال: (الوطن ليس فندقا نسكنه لأنه درجة أولى أو (فايف ستار) ونهجره إذا قل مستواه أو أصابه شيء لا يعجبنا) . ليس مهما ان تكون ابن وجيه أو ان تكون غنيا مدللا, المهم الا تشعر بالبرد والغربة وأنت تسير حاملا قضيتك, لأنك ـ باختصار مؤلم ـ لا تمارس نزهة خلوية في أحد الأحياء الراقية, انك تكتب حبك وذاكرة الوطن وكلاهما ـ الحب وذاكرة الوطن ـ لا يصلحان ان يكونا معاطف أنيقة لاجل سهرة باذخة تعلن فيها نفسك متحدثا رسميا باسم قضية كبرى. المهم ان تتفحص قضيتك جيدا, وان تعرف ذاتك, لأن قضيتك هي مركبتك الوحيدة في صحراء الوقت, وأصعب ما في هذه الصحراء ان تنام على قضية وتصحو على فراغ! لأنك إذا شفيت من قضيتك ابتلعتك رمال الصحراء وانتهيت, أو دخلت عوالم الزيف وجنون المجد والمناصب والمال والصفقات والخواء. حاملو القضايا عادة لا يصلون, وغالبا ما يتخطفهم الموت أو أخطار أخرى, وقد يكمل غيرهم, أو قد ينتحرون كما فعل (خليل حاوي) عام 1982 عندما أطلق على نفسه النار احتجاجا على الصمت العربي ازاء اجتياح اسرائيل للبنان, يومها قال حاوي: (أين هذه الأمة؟ من العار ان أقول أنا عربي أمام هذا التفرج المخزي) .