التحذيرات الطبية ربما تردع بعض السودانيين فيقاطعون بالتالي تناول (الشطة) الحمراء اللاذعة. لكن ليس في عيد الاضحى. فهناك ما يشبه الاجماع لدى السودانيين بأن الشطة وتجهيزاتها لا تقل اهتماما عن تدبير أمر الخروف نفسه. ولكن تبقى الحقيقة ثابتة: لا يعادل لذة الشطة إلا ضررها. وإلى أن ذهبت للإقامة المؤقتة في الصين كدبلوماسي في السفارة السودانية في اوائل عقد السبعينيات كان من بين معتقداتي التي لا تقبل النقاش أن السودانيين أقدر شعوب الارض على تحمل حرارة الشطة الحمراء. هناك تغيرت قناعتي عندما رأيت مدى إقبال الصينيين على الشطة كفاتح شهية. ومما يروى عن المفكر والزعيم الصيني التاريخي ماوتسي تونج انه قال مرة لصاحبه على سبيل المزاح: الشعوب آكلة الشطة هي بالضرورة شعوب ثورية! هذه الحكاية سمعتها من وزير خارجية الصين حينئذ (تشي بينج فاي) كنت أحد ضيوف عشاء أقامه (تشي) لوفد سوداني زائر عندما لاحظت أن إقبال المضيف الصيني على تناول الشطة الحمراء ليس بأقل من إقبال ضيوفه الاجانب. ومع تداعي حديث المائدة عن الشطة روى لنا الوزير الصيني قول ماو المزاحي عن الشطة والثورة. ومع مرور السنين كنت ازداد اقتناعاً بأن السودانيين ليسوا أشد الشعوب تحديا لحرارة الشطة الحمراء. فتعامل الهنود والباكستانيين واليمنيين والاثيوبيين والمكسيكيين مع هذا التحدي يجعل من تعامل السودانيين (لعب عيال) ! (سندوتش الشطة) المكسيكي صار الان ذا شهرة عالمية: شاطر ومشطور وما بينهما شطة بنسبة مئه في المئة. وقد تجاوزت الشطة في المكسيك منذ زمن طويل مستوى (الصحن الوطني) لتصبح أحد روافد الناتج القومي الاجمالي كسلعة مصدرة. ومرة جلست الى الطعام مع صديق دبلوماسي يمني في منزله في لندن. ومما لفت انتباهي على الفور طبخة بطاطس لونها يسر الناظرين ونكهتها تستنفر اللعاب.. ولكن سرعان ما اكتشفت أن طعمها شيء مختلف تماما. فقد كان (البسباس) (هكذا يسمون الشطة في اليمن) في الطبخة بنسبة 50 في المئة في تقديري ولم استطع ان أحشد شجاعة كافية لأخذ اللقمة الثانية. وفي نيروبي استضافني مرة صديق دبلوماسي اثيوبي إلى أكلة وطنية جاء بها من أديس أبابا شبه طازجة مع أحد طياري الخطوط الجوية الاثيوبية. كانت (في تقديري أيضا) بنسبة 90 في المئة شطة ولمدى ايام متصلة كان حال جهازي الهضمي غير عادي ـ اذا استخدمنا عبارة مخففة. على مدى عمر ظللت اسمع أطباء الامراض الباطنية يحذرون من مضار الشطة خاصة على الجهاز الهضمي وما كنت اسمعه كانت تؤكده على ألسنة الأطباء وسائل الاعلام السيارة. واكثر من ذلك تؤكده حالات مرضية محددة عرفت اصحابها. لهذا ذهلت عندما طالعت مؤخرا تحقيقا في مجلة امريكية (محترمة) يمتدح فيه اخصائي الشطة و(فوائدها) دون ان يأتي على ذكر مضار. كان تحقيقا مطولا من صفحتين ونصف الصفحة.. اما النصف الأخير من الصفحة الثالثة فقد شغله اعلان تجاري من شركة امريكية متخصصة في تصنيع الشطة. فهل كان الاخصائي يعمل لحساب الشركة؟! مضيفنا الوزير الصيني في بكين اوائل السبعينيات قدم لنا في ثنانيا حديثه نصحا. قال: اذا كنت مدمنا للشطة الحمراء لا تطيق تركها فامزج سائل الشطة مع شيء من الزيت. وبدوري لا أريد أن أقف موقف الواعظ ولكن أقول لاخوتي السودانيين وغير السودانيين من مدمني الشطة: جربوا تطبيق النصيحة فلن تخسروا شيئا.