التقيت قبل عامين في الامارات بأحد القيادات الدينية المسيحية الفلسطينية والذي شارك في أحد المهرجانات التي كنت قد ساهمت بتنظيم جزء بسيط منها. وقد أكد لي في أحد النقاشات التي دارت بيننا ما كنت أعلمه سلفا عندما كنت في فلسطين من ان القيادات المسيحية كانت ولا تزال من أقوى المناصرين لاستقلالية القرار الفلسطيني وهي تلعب دورا فعالا في بناء المجتمع الفلسطيني حاليا. وبالرغم من العراقيل التي تعيق توثيق التعاون الإسلامي - المسيحي في المنطقة وخاصة بين الديانتين في فلسطين, إلا انه من الواضح ان كلا الطرفين عازم كل العزم على احترام وجود الطرف الآخر وحقوقه. فمن المعروف ان الجالية المسيحية الفلسطينية قد عانت الكثير من الجرائم والفظائع التي ارتكبتها اسرائيل في حق الفلسطينيين عامة, خاصة وانهم (اليهود) لا يفرقون بين مسلم أو مسيحي, فكلاهما من غير اليهود, وكلاهما يمتلك حقوقا منافسة لحقوق اليهود في الأرض. وعلى ما يبدو فإن الفاتيكان رأت انه قد آن الأوان للدخول مباشرة في محاولات حل النزاع في الشرق الأوسط بعد أن ظلت - ولسنوات عديدة - تفضل الحيادية السلبية, خاصة وانه لم يكن هنالك ما يستدعي الخوض في هذا النزاع المعقد أساسا. وقد ارتكزت هذه السياسة على حقيقة ان الغالبية الكبرى من مسيحيي المنطقة من الأرثوذوكس والأقباط ولهم قيادتهم الدينية المحلية والمستقلة عن الفاتيكان التي تعتبر القيادة الروحية للكاثوليك. إلا ان التطورات السريعة التي شهدتها المنطقة في الأشهر القليلة الماضية قد حفزت الفاتيكان على تغيير استراتيجيتها والدخول مباشرة ضمن فريق لعبة التسوية الذي يضم الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا وكذلك الأمم المتحدة. فالخلافات الطائفية التي شهدتها مدينة الناصرة أواخر العام المنصرم كانت بمثابة الاشارة الحمراء التي تحذر من وجود مشاكل عديدة قد تستثمرها اسرائيل لصالحها, وقد أدى تدخل الفاتيكان المباشر في ذلك الحين وتحميله اسرائيل المسئولية الكاملة والتهديد بإلغاء زيارة البابا المقررة إلى اسرائيل إلى ان تراجعت الحكومة الاسرائيلية عن مخططها لضرب الطائفتين ببعضهما. إلا ان حادثة الناصرة لا تعتبر الأولى ولن تكون الأخيرة إذ ان هنالك عدة خلافات داخلية تحاول السلطة الفلسطينية حلها, ومنها مدى أهمية الأعياد المسيحية في الدستور الفلسطيني, وقد قام عرفات بنفسه باشعال آخر شجرة عيد ميلاد في القرن الماضي وافتتاح الاحتفالات بالقرن الجديد تأكيدا على الترابط المصيري لكلا الديانتين. وتأتي زيارة البابا يوحنا بولس الثاني إلى الأراضي الفلسطينية تأكيدا مجددا على اعتراف الكنيسة الكاثوليكية باستقلالية الفلسطينيين وحقهم التاريخي والإنساني في البقاء على أرضهم وحكم أنفسهم. ولعل الكنيسة تتعرض لضغوطات سياسية كما ظهر من خلال تنظيمها ولأول مرة في تاريخها لقداس خاص هذا الشهر لطلب المغفرة من الذنوب التي اقترفتها الكنيسة خاصة تلك التي تتعلق بتغاضي الكنيسة عن ادانة المجازر النازية ضد اليهود وتلك الخاصة باتهام الكنيسة ولمدة تزيد على ألف سنة لليهود بالتآمر على سيدنا المسيح والتي عادت وألغتها قبل بضعة أعوام فقط. كما ان الاتفاق الأخير الذي وقعه الرئيس الفلسطيني عرفات في الفاتيكان مع البابا يوحنا بولس الثاني في فبراير الماضي كانت له مدلولات وتأثيرات سياسية ودينية وقومية ستؤثر بالتأكيد على المعادلة النهائية للسلام في المنطقة. وليس غريبا ان اسرائيل قد أبدت انزعاجها الصريح من هذا الاتفاق الذي قالت انها ستدرسه بدقة للوقوف على حيثياته مما يعني دراسة سبل الرد عليه والعمل من أجل افشاله. والجدير بالذكر ان المفاوضات التي أدت للتوصل إلى هذا الاتفاق كانت قد استمرت على مدى عامين كاملين حاولت خلالهما الحكومة الاسرائيلية التأثير على مجرياته لمنع وجود نص يشير إلى الاجراءات الاسرائيلية المعادية وخاصة تلك المتعلقة بقانونية ضم القدس الغربية وأحقية اليهود في احتكار إدارتها. وهذا ليس الفشل الوحيد الذي تمنى به الحكومة الاسرائيلية هذا العام, فهي فشلت كذلك في حملتها الدولية ضد انضمام حزب نمساوي معاد لليهود إلى ائتلاف الحكومة النمساوية الجديدة, وقد رفض المستشار النمساوي الرضوخ للضغوط اليهودية العنيفة التي شملت سحب السفير الاسرائيلي من فيينا واصدار الاتحاد الأوروبي ادانة قوية للائتلاف الحاكم والتهديد بسحب عضوية النمسا من الاتحاد الأوروبي. لقد أدت هذه الأزمة مع النمسا والتي تزامنت مع تلك التي مع سوريا وكذلك مع الفلسطينيين إلى ارباك واحراج القادة الاسرائيليين الذين لم يفلحوا في حل أي منها.