هل كان الرئيس السادات صاحب بصيرة نافذة حينما قرر التصالح مع اسرائيل بزيارته الفجائية إلى القدس قبل 16 عاما من اتفاق اوسلو الذي وقعه الرئيس عرفات مع الاسرائيليين؟ لو لم يأت مثل هذا القول من شخصية رصينة في وزن د. مصطفى خليل رئيس وزراء مصر الاسبق وأحد كبار مستشاري الرئيس السادات لما استحق وقفة. في عين الرأي العام العربي لا يحظى د. مصطفى خليل بتقدير كبير بالنظر إلى ارتباط حياته الرسمية بشخص السادات بل وإن بعض المتطرفين والمغالين من المعلقين العرب ربما يتمادون إلى حد دمغ د. خليل بالخيانة, لكن من الانصاف ينبغي ان نقر بان د. مصطفى خليل رجل استقلالي الفكر, موضوعي التفكير, لا يلقي برأي الا اذا كان مدعوما بكثافة من التسبيب العلمي, اقول هذا وانا اختلف معه في التقييم السياسي على طول الخط. يقول د. خليل, وقد كان يتحدث قبل ايام معدودة في مقابلة تلفزيونية مسلسلة في احدى الفضائيات العربية: ان الرئيس السادات كان يرى ما لم يكن يستطيع ان يراه نظراؤه من القادة العرب في ذلك الحين من حيث ضرورة التعجل بابرام سلام مع اسرائيل, ومن الماضي يقفز د. خليل إلى الحاضر ليشير إلى تسابق القادة العرب لاقامة علاقات سلام مع اسرائيل, وهكذا, يضيف د. خليل: يدور الزمن دورته ليبرهن ان السادات الذي قاطعه القادة العرب في السبعينيات والثمانينيات, كان زعيما بعيد النظر. دون تشنج ودون تزيد يقدم د. خليل هذه المحاججة المنطقية, وهي محاججة ليس بوسعك ان تقول انها غير مقنعة, يكفي فقط ان تلقي نظرة على صورة الواقع العربي الماثل, فغالبية الدول العربية لها صلات مع اسرائيل الان, وإن كانت بدرجات متفاوتة, تتراوح ما بين اتفاقية سلام وعلاقات شبه دبلوماسية وروابط تجارية ومشاورات سرية منتظمة. مع ذلك تبقى هذه المحاججة المنطقية محدودة الاثر لانها تنطلق من فرضية ان جوهر النزاع العربي الاسرائيلي محصور في مسألة اراض محتلة واعادة رسم حدود, لكن هذا في تقديري وتقدير الكثيرين من العرب, ليس دقيقا, فالصراع بين العرب والاسرائيليين صراع حضاري مصيري بحسابات البقاء. نعم.. في ظاهره يتراءى لك الصراع وكأنه نزاع جغرافي طالما انك لا ترى في اسرائيل سوى دولة يهودية صغيرة ومعزولة في منطقة الشرق الاوسط, لكن اسرائيل ليست بهذه الضآلة المحصورة, اسرائيل رمز لتيار حضاري من شقين: شق اقتصادي يتمثل في توسعية رأسمالية عالمية, وشق ديني يتمثل في توسعية صهيونية من بين اولوياتها المتقدمة تدمير الحضارة الاسلامية ومحاربة العقيدة الاسلامية لتحقيق التحكم الكامل لليهود على العالم. ومشكلة ادولف هتلر من المنظور اليهودي هي انه اول زعيم في العصر الحديث يكتشف هذه الاجندة غير المعلنة من منظوره كمسيحي كاثوليكي, ثم يبدأ العمل لكسر شوكة الصهيونية العالمية. تأسيسا على هذا المفهوم فان معاهدات السلام مع العرب هي من المنظور الصهيوني بداية وليس نهاية: بداية لاستعمار اقتصادي غير مرئي للعالم العربي تتبعه مرحلة لتدمير النسيج الاجتماعي العربي عن طريق فصم الدين الاسلامي عن الحياة الاجتماعية. وعلى اساس هذا المفهوم فان الرئيس السادات لم يكن بعيد نظر, لان نظرته إلى طبيعة الصراع لم تنفذ إلى العمق.