اسبانيا: الأقلية تحكم الأغلبية الصامتة باسم الديمقراطية

بقلم: الدكتور طلعت شاهين إحدى القواعد الرئيسية في الديمقراطية, أنها لا تقيم وزنا لرأي الذين يقررون بشكل منفرد البقاء خارج المجتمع الذي يطبق هذا النظام, أي أنه عندما يتم توزيع مقاعد الأغلبية والأقلية في البرلمان بين الأحزاب المختلفة المشاركة في أية انتخابات, لا يتم حساب أصوات الذين يقررون بمحض إرادتهم البقاء بعيدا عن هذه الانتخابات من خلال الامتناع عن الإدلاء بآرائهم, فيخسرون وجودهم, ويخسرون كذلك ثقلهم السياسي في المجتمع الذي ينتمون إليه, لأن الأصوات التي يتم حسابها لهذا الحزب أو ذاك, هي تلك الأصوات الموجودة داخل صناديق الاقتراع وليس خارجها, ولا حساب لأي صوت لم يدخل تلك الصناديق بالطريقة الصحيحة التي تنظمها قواعد المشاركة السياسية في الديمقراطية, حتى لو كان هذا الصوت لزعيم الحزب المرشح للجلوس على كرسي السلطة . هذه القاعدة يمكن أن ينتج عنها أغلبية مطلقة لحزب من الأحزاب, تمكنه من الحصول على أغلبية مقاعد البرلمان دون أن يحوز بالفعل على ثقة أغلبية مماثلة من الناخبين, أي أن الحزب يمكنه أن يحكم بأغلبية مطلقة حتى لو حصل على أقل من نصف أصوات الناخبين المسجلين في القوائم الانتخابية, والذين لهم حق التصويت في تلك الانتخابات, وذلك يأتي نتيجة امتناع أغلبية من هؤلاء الناخبين عن الإدلاء بأصواتهم, على الرغم من أن الامتناع عن التصويت يمكن أن يكون ناتجا عن عدم اقتناع هؤلاء الممتنعين بالأحزاب المشاركة في الانتخابات, أو أن البرامج الانتخابية لتلك الأحزاب لا تلبي احتياجاتهم أو لا تمثل طموحاتهم, فيقررون البقاء في منازلهم وعدم الذهاب إلى الدوائر الانتخابية والوقوف في طوابير الانتظار. لكن النتيجة النهائية تعطي لمن يحصل على أعلى عدد من أصوات الناخبين المشاركين في الاقتراع بالفعل الحق في الجلوس على كرسي السلطة, وتمنحه حق حكم الجميع, بغض النظر عن عدد الممتنعين عن التصويت, أو أسباب امتناعهم عن المشاركة في العملية الانتخابية. هذا هو ما حدث بالفعل في الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت في أسبانيا الأحد الماضي, والتي كانت نتيجتها حصول الحزب الشعبي اليميني بقيادة خوسيه ماريا أزنار على أغلبية مطلقة في البرلمان ومجلس الشيوخ, مع أن هذا الحزب لم يحصل إلا على نسبة لا تصل إلى ثلث عدد الناخبين المقيدين في جداول الانتخابات, والتي تزيد قليلا عن النسبة التي حصل عليها خلال انتخابات عام ,1996 والتي كانت نتيجتها أنه كان في حاجة إلى التحالف مع ثلاثة أحزاب إقليمية ليتمكن من حكم أسبانيا طوال السنوات الأربع الماضية , كانت مليئة بالتنازلات لصالح تلك الأحزاب الإقليمية, حتى يتمكن خوسيه ماريا أزنار من مواصلة الجلوس على كرسي الحكم في هدوء وبلا متاعب. الذي حدث هذه المرة, أن الحزب الشعبي اليميني حصل على عدد أصوات يساوي تقريبا عدد الأصوات التي حصل عليها خلال الانتخابات السابقة, أي أنه تمكن من الحفاظ على أصوات ناخبيه الذين صوتوا لصالحه في الانتخابات السابقة, بينما تخلى ناخبو الحزب الاشتراكي عن حزبهم, مفضلين البقاء في منازلهم والامتناع عن التصويت, لأن النسبة التي خسرها الحزب الاشتراكي تساوي تقريبا النسبة التي انضمت في هذه الانتخابات إلى قطاع (الأغلبية الصامتة) الممتنعين عن التصويت خلال الانتخابات السابقة. لو عدنا إلى النتائج النهائية التي خرجت من الانتخابات التي جرت الأحد الماضي, نجد أن نسبة الذين أدلوا بأصواتهم لم تتجاوز 70 في المئة من عدد الناخبين المسجلين في القوائم الانتخابية مقابل 4.77 في المئة شاركوا في انتخابات عام ,1996 التي كان فارق التصويت فيها لصالح الحزب الشعبي اليميني عن التصويت لصالح الحزب الاشتراكي لا يزيد على 1.1 في المئة, حيث أسفرت نتائج انتخابات عام 1996 عن حصول الحزب الشعبي على تسعة ملايين وسبعمائة ألف صوت مقابل تسعة ملايين وأربعمائة وخمسة وعشرين ألف صوت لصالح الحزب الاشتراكي, أي نسبة التصويت لصالح الحزب الشعبي كانت 7.38 في المئة مقابل 6.37 لصالح الحزب الاشتراكي, فكانت النتيجة حصول الحزب الشعبي على 156 مقعدا, مقابل 141 مقعدا لصالح الحزب الاشتراكي. بينما في الانتخابات التي جرت يوم الأحد الماضي, والتي انضم فيها ما يقرب من مليونين ونصف مليون ناخب جديد من الشباب بلغوا السن القانونية للإدلاء بأصواتهم, وأصبح لهم حق المشاركة في الانتخابات لأول مرة, حصل الحزب الشعبي على عشرة ملايين ومائتين وثلاثين ألف صوت, ومع أن النسبة الجديدة لمجموع أولئك الذين صوتوا لصالح الحزب الشعبي تكاد تكون النسبة نفسها من مجموع الناخبين المقيدين في جداول الاقتراع, إلا أن هذه الأصوات منحت الحزب الشعبي أغلبية مطلقة, حيث حصل على 183 مقعدا في البرلمان مقابل 125 مقعدا لصالح الحزب الاشتراكي. قراءة هذه النتيجة النهائية للانتخابات الأسبانية التي جرت الأحد الماضي من خلال نسبة الامتناع عن التصويت تجعل من الصعب على الحزب الشعبي أن ينسى أنه ما كان له أن يحصل على تلك الأغلبية لو أن ناخبي منافسه الاشتراكي لم ينضم جزء كبير منهم إلى الممتنعين عن المشاركة في الممارسة الديمقراطية, لذلك لا يجب أن يأخذ الغرور تفكير رئيس الوزراء اليميني خوسيه ماريا أزنار, فيعتقد أنه تخطى سقفه وسقف حزبه الانتخابي بهذه الأغلبية المطلقة التي حصل عليها خلال هذه الانتخابات, بل عليه أن يضع عينيه على الشارع السياسي, لأن الأغلبية الصامتة التي لم تشارك في عملية الاقتراع لن تقنع بصمتها, بل ستلجأ إلى المطالبة بما تراه من حقها من خلال ممارسات أخرى تمنحها لها الديمقراطية كالتظاهر أو الإضراب. وأيضا يجب أن يضع في حسبانه كل حركات التجديد التي تجري في الحزب المنافس, لأن لكل منها نتائجه المؤثرة, سواء بالسلب أو الإيجاب, في الانتخابات المنتظر أن تجري بعد السنوات الأربع التي تنتهي بها هذه الحقبة البرلمانية الحالية. بالنسبة للحزب الاشتراكي, الذي وجد نفسه يخسر مقاعد في البرلمان بنسبة تساوي نسبة ناخبيه التي فقدها خلال هذه الانتخابات والتي انضم منها جزء كبير إلى (قطاع الصامتين) الممتنعين عن التصويت, فإن القراءة الصحيحة لهذه النتيجة واتخاذ الإجراءات الصحيحة أيضا يمكن أن تعيد ناخبيه إلى القطاع الفاعل في المشاركة الشعبية , التي كانت محور الحياة السياسية خلال السنوات العشرين الماضية, والتي مكنته من حكم البلاد طوال ما يقرب من أربعة عشر عاما متتالية. ربما كانت أول قراءة صحيحة لهذه النتيجة هي (الاستقالة) التي تقدم بها مرشح الحزب لرئاسة الحكومة (خواكين ألمونيا) , الذي اعتبر تخلي الناخبين التقليديين عن حزبه راجعا إلى شخصيته غير الجاذبة والمؤثرة, إضافة إلى الأحداث التي وقعت في الحزب طوال السنوات الثلاث الماضية التي تولى فيها منصب السكرتير العام, والتردد ما بين تطبيق نموذج (الانتخابات الأولية) الداخلية في الحزب لتولي المناصب المختلفة داخل الحزب, بعد أن فشل كسكرتير عام في الحصول على ثقة أعضاء حزبه ليكون مرشحهم لرئاسة الحكومة, وهي الثقة التي منحها ناخبو الحزب لمنافسه في تلك الانتخابات الداخلية وزير المالية السابق جوزيب بوريل, ثم عدم الوضوح في تأييد مرشح الحزب لرئاسة الحكومة خلال سنة كاملة ما بين الأخذ والجذب, أدت في النهاية إلى تخلي المرشح الحقيقي عن مكانه الذي قبله السكرتير العام على الرغم من فشله خلال الانتخابات الداخلية. كل هذه الأحداث كان نتيجتها إشاعة البلبلة في التوجهات الحقيقية للحزب الاشتراكي نحو التجديد, الذي وعد به الزعيم الاشتراكي لتخطي الأزمة الداخلية, التي نتجت فترات الحكم الثلاث التي تولاها الحزب منذ عام 1982 وحتى 1996. من ناحية أخرى التحالف الذي عقده الزعيم الاشتراكي مع مرشح اتحاد اليسار الجديد, الذي يمثل الحزب الشيوعي الأسباني, وذلك لمواجهة الحزب الشعبي, فقد جاء هذا التحالف بشكل غير طبيعي, ولم يكن نتيجة لتطابق أو تقارب في الأفكار بقدر ما كان الهدف منه تقليد التحالف اليساري الفرنسي الذي نجح في إبعاد الديجوليين عن حكم فرنسا, ونتيجة لهذا لم يكن برنامج هذا التحالف واضحا حتى يقنع ناخبي الطرفين لقبوله والتصويت في هذه الانتخابات عن اقتناع, خاصة أن هذا التحالف جاء فجائيا بعد سنوات طويلة من العداء بين الحزبين اليساريين, والذي كانت فيه الاتهامات بخيانة الأفكار اليسارية تنطلق من جانب زعماء اليسار المتحد ضد زعماء الحزب الاشتراكي, خاصة بعد موافقة الحزب الاشتراكي على دخول حلف الأطلسي, أو اتهامات زعماء الحزب الاشتراكي لزعماء اليسار المتحد بالتخلف عن ركب العصر بعد سقوط عصر الأيدلوجيات. هذه الأوضاع والأحداث التي صاحبت الانتخابات البرلمانية الأسبانية التي جرت الأحد الماضي, والتي ترتب عليها أغلبية مطلقة لحزب لم يحصل على تفويض حقيقي من جانب غالبية المجتمع ليحكم منفردا, أعادت إلى الأذهان الآراء التي ترى في الديمقراطية نظاما ناقصا, ولا يزال في حاجة إلى مزيد من التطوير, ليضع في حسابه رأي (الأغلبية الصامتة) الممتنعين عن التصويت, باعتبار أن هذه الأغلبية تعبر عن رأي قطاع عريض من المجتمع, يزيد أحيانا عن نصف مجموع الناخبين الذين يمثلون مختلف قطاعات هذا المجتمع, وفي هذه الحالة في الانتخابات الأسبانية الأخيرة يمثلون ثلث الناخبين تقريبا, وهو قطاع لا يمكن الاستهانة بوجوده.

تعليقات

تعليقات