بقلم: ياسر الفهد من المشكلات الخطيرة التي أخذت تتخذ ابعاداً عالمية واسعة, مشكلة الفساد الذي كان يعتقد ان انتشاره يكاد يقتصر, بصورة اساسية, على الدول المتخلفة. ولكن الاحداث والشواهد الحديثة اثبتت أن المشكلة تطال جهات وشخصيات عديدة في الدول المتطورة. واذا كان غياب الديموقراطية, يعد من أهم الاسباب التي تقود الامم في مهاوي التردي وتدفعها الى التقوقع في قاع سلم التاريخ, فان تفاقم الفساد بات يهدد ملايين الناس العاديين, في الدول النامية, بالفقر والجوع وشظف العيش. ولعل استمرار هذه المشكلة, وارتفاع حدتها, دليلان على مدى صعوبة حلها. ولا شك ان تركيز الاضواء عليها واخراجها من عتمة الظلام الى دائرة النور يعد خطوة اولية لابد منها, في سبيل مواجهتها ورسم سبل حلها الذي يزداد صعوبة كلما كان استشراء الفساد في المستويات الاعلى من سلم النفوذ وسنعرض هنا بعض تصوراتنا, بشأن امكانية الحد من هذه الظاهرة التي تستنزف الكثير من الاموال العامة. التنمية ونعتقد ان من العوامل الحاسمة في هذا المجال, تحقيق التنمية الاقتصادية المفضية الى تحسين المستويات المعاشية لكافة افراد الجمهور, ولا سيما اصحاب الدخل المحدود, لان هؤلاء, بحكم مواقع عملهم, وانخفاض دخولهم, معرضون اكثر من غيرهم ومن المعروف ان عملية التنمية تتضمن جوانبا اقتصادية وسياسية واجتماعية وسكانية وثقافية. وهي في حالة نجاحها تؤدي الى الحد من ظواهر البطالة والتضخم النقدي والمديونية والعجز في موازين المدفوعات. ففي ظل مثل هذه الظواهر السلبية, يجد الكثيرون من اصحاب الضمائر الضعيفة الذرائع, للاختلاس والارتشاء واغتراف المنافع غير المشروعة. وبالطبع, فان تحقيق التنمية في الدول الفقيرة, ليس بالامر اليسير, لانه يقتضي توافر شروط كثيرة مواتية, مثل كفاية الموارد. وهو يستلزم, على المدى البعيد, اتخاذ اجراءات لا حدود لها, مثل الاهتمام بالانسان, وتدريب القوى العاملة ورفع كفايتها وتمتين القاعدة العلمية والتكنولوجية وادخال المرأة ضمن دائرة العمل وتنويع مصادر الدخل, واعطاء دور مميز للقطاع الخاص, والسعي لانتاج الحاجات الاساسية للمجتمع, محلياً, دون اللجوء الى استيرادها, وكذلك الحصول على معونات مالية خارجية. وهذه كلها شروط لا يسهل توفيرها. وعلينا ملاحظة ان هناك علاقة تأثير متبادل بين التنمية والفساد, فنجاح التنمية يؤدي الى اضمحلال الفساد, لأن الاكتفاء المادي يقلل الحاجة الى الكسب غير المشروع. كما ان الفساد, بدوره, يقود الى تراجع التنمية, لأن ازدياد الاختلاسات وتسرب الاموال العامة, يقلص الاعتمادات المخصصة للمشروعات التطويرية. الصحافة والديموقراطية وهذا يعني انه لابد من العمل على محورين, معاً: محور القضاء على الفساد, ومحور إحراز الانتعاش التنموي. ولكن هناك محوراً ثالثاً يكاد يكون اهمها جميعاً, وهو محور الديموقراطية التي اصبح من المعروف على نطاق واسع, انها تفضي الى انتعاش التنمية وتقليص الفساد في آن واحد. ففي ظل الصحافة التعددية, وفي اجواء حرية التعبير, يمكن تسليط الانوار على اولئك الذين تسول لهم انفسهم نهب الاموال العامة, وصعود سلالم الاثراء السريع, بشكل لافت للنظر, وبالتالي المطالبة بمساءلتهم ومحاسبتهم, مما يوصل رسالة ذات مغزى الى الذين يفكرون في السير على درب الكسب غير المشروع, نفسه. وعندما تقل الاختلاسات, بفضل القدرة على تعرية مرتكبيها وكشف النقاب عنهم, وعندما تتوافر اموال اكثر للانفاق على المشروعات الزراعية والصناعية والانتاجية, فتنتعش التنمية. اما عندما يكون هناك تعسف وتكميم للافواه, فان احداً لا يجرؤ على المخاطرة بتوجيه اصابع الاتهام الى الذين يختلسون ويرتشون ويحولون الاموال العامة الى جيوبهم وحساباتهم الخاصة, لأن هؤلاء عادة يحتمون بدعم آخرين متنفذين يتبادلون معهم المصالح ويتقاسمون الغنائم ويوفرون لهم غطاء كثيفاً للتستير عليهم ولاخفاء ممارساتهم الفاسدة. وعلى الرغم مما للديموقراطية من دور كبير في محاربة ظاهرة الفساد, فانها ليست عاملاً كافياً, بدليل اننا نسمع عن فضائح مالية يندى لها الجبين في كثير من الدول الديموقراطية. فبعض الذين يصلون الى مناصب عليا, بفضل الانتخاب, يجدون انفسهم احياناً في وضع قوي يمكنهم من الاختلاس. قوانين واقعية ورادعة: وبالاضافة الى التنمية والديموقراطية, هناك عوامل اخرى كثيرة لمواجهة الفساد, مثل سن القوانين الرادعة والملزمة, والقابلة للتطبيق علي ارض الواقع, والمؤدية الى محاسبة ومعاقبة الذين يستهترون بالمصلحة العامة ويستعملون طرقاً محرمة من اجل الاثراء السريع. ولا غنى ايضاً عن استحداث نظم مالية متطورة تسمح بكشف الاختلاسات بطرق علمية متقدمة, لأن غياب مثل هذه النظم يساعد اصحاب الضمائر على ارتكاب السرقات, دون انكشاف امرهم, مما يشجعهم على اقتراف المزيد منها. وعلى كل حال, مهما فعلنا من اجل مكافحة الفساد, فإننا لن نصل الى نتائج حاسمة, طالما ظلت التربية قاصرة من الناحية الاخلاقية عن الايفاء بمستلزمات هذه المكافحة. ومن هنا, فان التربية السليمة, هي التي تنشئ الطفل منذ بداية وعيه, على الامانة والقناعة, فيشب وهو يحمل في اعماقه العداء لكل ما يندرج تحت لائحة الفساد الذي اصبح اليوم في الدول النامية يحتل الدرجة الثانية بعد الحكم الفردي, في سلم الخطورة. الدول المتقدمة: مشكلة الفساد قائمة بالفعل, ايضاً في الدول المتقدمة, ولكن بدرجة اقل. فالصحافة الحرة هناك تقوم بتعرية اصحاب الضمائر الضعيفة, وكشف النقاب عن افعالهم غير الشرعية, مما يفتح الباب امام معاقبتهم. ونذكر على سبيل المثال, كتاب (Trade Secrets Of Washington journa Lists) اي: (اسرار المهنة في صحافة واشنطن) الذي يسلط الاضواء على الدهاليز المظلمة والاقبية المخفية والسراديب السرية في الحياة السياسية الامريكية, مبيناً كيف ان الكثيرين من اعضاء الكونجرس يؤيدون او يعارضون هذا المشروع او ذاك, وفقاً لمصالحهم الخاصة, وتجاوباً مع تلقيهم رشاوى من ارباب الصناعات ومراكز القوى المختلفة, وكيف تتسرب بعض الاموال ويجري استغلالها في الانفاق على الحملات الانتخابية الخاصة. ويقدم الكتاب امثلة عديدة عن اعضاء في مجلس الشيوخ الأمريكي. قاموا بسن او إقرار قوانين, بهدف الحصول على مكاسب لهم او لاقاربهم او لاصدقائهم, مشيراً الى كثير من الانفاقات التي لا يمكن السيطرة عليها, كالاموال التي تصرف على الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي. وفي هذا المجال, فان المواطن الاميري ملزم بدفع ضرائب, دون ان يعرف ما اذا كانت الاموال تصرف جميعها بالفعل على مشروعات الرعاية. ويعرض الكتاب, ايضاً, صوراً من الاختلاسات والتلاعبات التي تجرى في الوزارات, وحتى في بعض مؤسسات الابحاث. فهناك مثلاً, باحثون تدفع لهم الدولة رواتب ضخمة, ولكنهم لا يقومون باي عمل, وانما يكلفون باحثين خارجيين باجراء الابحاث مقابل مكافآت مالية يتم دفعها من ميزانية المؤسسة نفسها! وهذا, كما نرى, ضرب من الفساد الخفي والتحايل على الدولة. وبعد, فان الفساد ينتشر اليوم في جميع بقاع العالم دون استثناء, ولكن هناك اختلافات في درجة انتشاره, فهو محدود النطاق في الدول الميسورة, والتي تمارس الديموقراطية وتسن القوانين والنظم المالية المناسبة, ولكنه واسع الاستشراء في الدول المختلفة التي غابت عنها شمس الحرية.