بقلم: د. تيسير الناشف للثورة التكنولوجية في الاتصال آثار قوية في النواحي الاقتصادية والثقافية والسياسية للمجتمعات, ولهذه الثورة أيضا أثر قوي في الهوية القومية والثقافية للشعوب, وتتعرض دول العالم النامي بما في ذلك شعوبها ومجتمعاتها ومؤسساتها لوابل من الرسائل التي تحملها إليها وسائط الاتصال التكنولوجية الغربية, وهذه الرسائل تتوزع على شتى مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية, وقسم منها أيضا يركز على القضايا الايديولوجية والقيمية, ومنها ما يتفق مع رؤى وتطلعات الشعوب في الدول النامية, ومنها مالا يتفق مع هذه الرؤى والتطلعات. وبشيوع استعمال أجهزة التلفزيون والراديو والكمبيوتر والشبكة الدولية (الانترنت) في العالم النامي يسهل كثيرا دخول هذه الرسائل الكثيرة إلى بيوت كثيرة ونقلها إلى عقول ونفوس الكثيرين من الناس في العالم النامي, ولحالة النقل السريع هذه خطر كبير على مستقبل العالم النامي, وأحد وجوه هذا الخطر هو ان هذه الرسائل تزاحم الخلفية الثقافية القيمية التاريخية التي تقوم عليها الهوية الثقافية والقومية لتلك الشعوب, وذلك سواء عن طريق مزاحمتها لها أو عن طريق تعريف تلك الرسائل للناس برؤى وأفكار وقيم وأيديولوجيات لا يتفق قدر كبير منها مع مضامين الخلفية الثقافية القيمية التاريخية للشعوب النامية. والشعوب النامية (والحقيقة هي ان كل شعوب المعمورة نامية, بما في ذلك الشعوب الأوروبية وشعوب أمريكا الشمالية التي يطلق عليه عادة اسم الشعوب المتقدمة النمو) تمر بمرحلة انتقال سياسي وثقافي واقتصادي, وهذا الانتقال سمة رئيسية من سمات المجتمعات البشرية كلها, ومرور شعوب بهذه المرحلة الانتقالية يسهل على الرسائل التي تنقلها وسائط الاتصال الغربية تحقيق تأثير أكبر في شتى جوانب حياة تلك الشعوب. وتشمل الثقافة أساليب العمل في شتى المجالات, وبجوانبها في العادات والتقاليد والأفكار والرؤى السائدة, وتضم ثقافات الشعوب النامية جوانب السلبية و الايجابية, وهنا يجب القول ان سلبية أو ايجابية جانب من جوانب الثقافة لأي شعب من الشعوب تقررها الفلسفة الاجتماعية السائدة في مجتمع من المجتمعات وتقررها أيضا تاريخية تلك الثقافات. ودول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ـ التي رأت بعض الأوساط الغربية ان تطلق عليها اسم (العالم الثالث) تواجه مشاكل مصيرية كثيرة في شتى مجالات الحياة, وتحاول ان تتصدى لهذه المشاكل, انها تكافح على عدة جبهات حيوية في آن واحد, وتشغل هذه المواجهة الهيئات الحكومية وغير الحكومية وقتا طويلا وتجعلها تنفق جهدا كبيراً لمواجهة هذه المشاكل, ويتيح هذا الانشغال للذين يقومون بوضع برامج وسائط الاتصال واخراجها وتنفيذها فرصة أفضل لنقل رسائل برامجهم إلى أذهان ونفوس المشاهدين لهذه البرامج والمستمعين إليها في صفوف شعوب العالم النامي. ومن باب الحرص على المحافظة على الشخصية القومية والهوية الثقافية لا يقبل كثيرون من المفكرين العرب وغير العرب في العالم النامي بتلقي رسائل ترسلها وسائط الاتصال إذا كانت تلك الرسائل تتضمن مضامين تمس بالهوية القومية والشخصية الثقافية المتميزة لكل شعب من الشعوب, أو إذا كان ثمن ذلك التلقي قبول المضامين التي تنال من تلك الهوية وتضعفها وتطمسها. ان هذا الوابل من الرسائل المنهمر على مجتمعات العالم النامي دون اذن من السلطات ودونما اكتراث بالثقافة الشعبية الحكومية لا يراعي مفهوم سيادة الدولة ولا يولي اعتبارا لهذه السيادة. ويتدفق هذا الوابل على البيوت ويدخلها سواء وافقت السلطات الحكومية أم لم توافق على ذلك. وينبغي لمختلف الهيئات الحكومية وغير الحكومية في دول العالم النامي ان تعرف هذه الحقائق, وان تقدر أهميتها وان تعمل بسرعة بما يتفق مع خطورة هذه الحالة وبما يستلزمه التصدي لها. ومن طرق التصدي لهذه الحالة الباعثة على القلق الشديد, من منظور ارادة الحفاظ على الهوية القومية, وضع وبث برامج اذاعية وتلفزيونية, واقامة مواقع على الشبكة الدولية تتوخى ادراك الخطر الذي تمثله هذه الحالة وتتوخى الادراك لأهمية تلبية الحاجات التي يستلزمها التصدي لهذه الحالة. ونظرا إلى الجوانب الفكرية والتحليلية التي تنطوي علىها معرفة التصدي لهذه الحالة يجب ان يكون الواضعون لهذه البرامج والمنفذون لها ومضيفو البرامج والمديرون للحوار والنقاش العلميين المتوخيين للوصول إلى الموضوعية على مستوى علمي وفكري وثقافي عال, وفي صفوف الشعب العربي والشعوب الأخرى في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية رجالاً ونساء لديهم الكفاءة الفكرية والتحليلية التي تؤهلهم لأداء هذه الوظيفة المتسمة بقدر أكبر من المسئولية. وينبغي ان تكون من مهمة واضعي البرامج العربية ومخرجيها تحديد مواضيع المناقشة التي تخدم أغراضهم وتناسب عملية التصدي للرسائل المستوردة. وينبغي للهيئات الحكومية وغير الحكومية ان تقوم باستعمال وسائط الاتصال لتحقيق الوعي بالمفاهيم الصحيحة, ولادراك المفاهيم الخاطئة, وللتأكيد على الوعي بجوانب الهوية الثقافية.