بقلم: حسن علي الحمادي قضية التفاؤل والتشاؤم أخذت تحظى باهتمام متزايد في الدراسات التربوية, بسبب ارتباطها بالحالة النفسية للمعلم, وانعكاسها بالتالي على أدائه الوظيفي, وتحاول هذه الدراسة رصد القضية في البيئة التربوية لدولة الامارات العربية المتحدة. وفي الجزء الأول سعى الباحث إلى تعريف وتشخيص الظاهرة, وكيفية بروزها في السلوك اليومي للمعلم, وآثارها المباشرة وغير المباشرة على المعلم والتلميذ والبيئة التعليمية, وتفرع إلى ظواهر متفرعة عنها مثل (المجاملة الاكاديمية) . كما أفرد فقرة خاصة لرصد (مصدر الضبط) النفسي للمعلم ومدى تأثره بالخبرات الذاتية وأجواء العمل, ليصل بعد ذلك إلى تقصي التفاؤل غير الواقعي, والتشاؤم غير المبرر وأسبابهما وانعكاساتهما, ويحاول في الجزء الثاني متابعة استنتاجاته الهامة التي تستند في معظمها على الخبرة الميدانية. آلية دفاعية ومن خلال الخبرة الميدانية اتضح لنا انه يمكن التمييز بين التفاؤل والتشاؤم الدفاعي للمعلمين, فمثلا المعلمون المتشائمون دفاعيا هم الذين لديهم حصيلة جيدة من النجاح في موقف معين مثل طريقة التدريس المثلى في حصة نموذجية معينة بحضور أحد المسئولين ومتابعته الميدانية, ولكنهم غالبا ما يواجهون المواقف الجديدة المماثلة في طريقة التدريس متوقعين نتائج سيئة لشعورهم بعدم تقديرهم من قبل موجهيهم أو مدرائهم. فالتشاؤم الدفاعي يتضمن وضع المعلم توقعات منخفضة على أدائه المستقبلي, مما يشعره بالقلق والاحساس بفقدان السيطرة بالنسبة لمواقف تعليمية جديدة على الرغم من ان أداءه السابق في الموقف نفسه كان جيدا. وقد وجد الكثيرون من الباحثين ان المعلمين المتفائلين يشعرون بمستوى أقل من القلق وبمستوى عال من التوقع في الأداء عندما يواجهون مهاما تتطلب قدرات تحصيلية, مثل نتائج الطلاب في الفصل الدراسي الأول والثاني أو نتائجهم في نهاية العام الدراسي, وذلك قياسا بالمتشائمين دفاعيا, فالمعلمون المتشائمون غالبا ما يتصورون (سيناريو) سيئا من الفشل, ويتوقعون أحداثا محبطة مثل عدم حصولهم على تقارير جيدة سواء فصلية في مجال الكفاءة أو تقارير فنية في نهاية العام الدراسي, أو عدم حصولهم على ترقيات مناسبة مقارنة بزملائهم من المعلمين, على الرغم من انهم لا يختلفون عن مجموعة المتفائلين في الأداء الأكاديمي, هذا السيناريو المخيف يرفع قلق المعلمين المتشائمين دفاعيا, ويدفعهم إلى بذل المزيد من الجهد والعطاء. ولكن من الممكن النظر إلى كل من التفاؤل والتشاؤم الدفاعي على انها استراتيجيات تكيف, يتبناها المعلمون للسيطرة على المواقف المختلفة التي يواجهونها, فالتشاؤم الدفاعي, كما يرى بعض الباحثين يهيئ الذات لاحتمالات الفشل, ويرفع من مستوى واقعية المعلم للتغلب على صعوبات الموقف التعليمي داخل الفصل وانعكاساتها على تكوين شخصية المعلم مستقبلا. ويرى فريق آخر من الباحثين ان المعلمين المتفائلين هم من الذين يعتمدون على التجاهل أو تحريف المعلومات غيرالسارة, وهم يهربون من مواجهة احتمالات الفشل, ويتجاهلون التفكير في النتائج السلبية المحتملة في المستقبل, لأن ذلك يثير قلقهم, كما ان المعلمين المتفائلين بشكل دائم وغير واقعي لديهم بدائل محدودة لمواجهة المشكلات عندما يواجهون بمواقف افتراضية تستدعي الحل قياسا بالمعلمين المتشائمين دفاعيا. اتجاه تطبيقي في ضوء ما تقدم يمكن ان نعتبر المعلومات سالفة الذكر عن المعلم والأداء الوظيفي وعلاقة التفاؤل والتشاؤم جانبا نظريا. أما الجانب التطبيقي فاعتقد بأن أداء المتفائلين من المعلمين في الميدان التعليمي أفضل من المتشائمين من المعلمين, غير ان هذا الاعتقاد في حاجة إلى دراسة ميدانية لمعرفة أثر التفاؤل على الأداء الوظيفي للمعلم, وهل يساعد التفاؤل علي التنبؤ بالأداء المستقبلي للمعلم؟ وهل يؤثر التشاؤم على الأداء الوظيفي للمعلم من جميع جوانبه مستقبلا؟. قبل الاجابة على هذه الأسئلة, لابد ان نميز بين الأمور الجوهرية التي تجعل من المعلمين من (الجنسين) يندفعون في نطاق التفاؤل أو التشاؤم, ومدى اختلاف الجنسين في ذلك. كذلك إذا تحدثنا عن الجوانب الوظيفية للمعلم فهي عديدة ومنها الجانب الكمي والجانب النوعي, والجانب الانساني, والجانب المعرفي وغير ذلك. وقد استخدمت هذه الدراسة عشرة معايير للأداء هي: الدراية بالتدريس, وجودة التدريس, ومعدل الانتاج, والمبادرة والتعاون, والانضباط, وحصافة الرأي, والتخطيط, والتنظيم والتوجيه, والنشاط الصفي واللاصفي, إلى جانب الدرجة الكلية للأداء. ومثل هذه المعايير من الممكن ان تعطينا صورة أكثر وضوحا لجوانب العلاقة المحتملة بين التفاؤل ـ التشاؤم من جهة أداء المعلم, وأي من معايير الأداء من جهة أخرى, ذلك ان الأداء العام قد لايظهر على وجه التحديد أين تقع مثل هذه العلاقة. وقد تم اختيار عينة عشوائية من مختلف مدارس الدولة (مدن ومناطق نائية) بالاضافة إلى الخبرة الميدانية, واستخدمت استمارة بحثية تضمنت استفسارات عن وضع الجنس والعمر والمستوى التعليمي والحالة الاجتماعية, والوظيفة (مدرس أو مدرس أول). نتائج البحث بعد جمع البيانات وحصرها, ثم تحليلها تبين الآتي: 1ـ اتضح ان عمر المعلمين (للجنسين) لايرتبط ارتباطا جوهريا بأي من متغيرات مادة التخصص من جانب المعلومات سوى ارتباطه ايجابيا بالتعاون مع المسئولين في المناطق التعليمية والمدرسة, حيث يشير الارتباط إلى ان كبار السن من المعلمين أكثر تفاؤلا من صغار السن من المعلمين. ومن جانب آخر هناك علاقة سلبية بين التفاؤل والتشاؤم لدى الفئتين العمريتين عند مستوى معين. 2ـ يرتبط التفاؤل ايجابيا وبصورة جوهرية عند مستوى دلالة واضحة, بكل من: الدراية بالعمل وجودة العمل ومعدل الانتاج والانضباط وحصافة الرأي والتوجيه والأداء بشكل عام, أي ان المتفائلين من المعلمين كبارا أو صغارا أكثر من المتشائمين ـ دراية بالعمل بالتدريس, وجودته, وانتاجه, والانضباط في العمل, والنضج في الرأي, والقدرة على التوجيه والاشراف, وهم بوجه عام أفضل آداء, حسب ما يراه مسئولوهم في المناطق التعليمية والمدارس. 3 ـ يرتبط التشاؤم سلبا, وبصورة جوهرية عند بعض المعلمين, من ناحية الدراية بالتدريس, وجودته ومعدل الانتاج في اليوم الواحد, والحصة الدراسية الواحدة, والمبادرة, والتعاون مع الزملاء, وحصافة الرأي عند اناطة أي عمل اضافي, والتوجيه الذي يتلقاه من الموجه المسئول مدير المدرسة بكل من: الانضباط داخل الفصل وتعديل اسلوب التدريس والانضباط في الدوام المدرسي, بالاضافة الى التخطيط السنوي والفصلي واليومي, اي ان الموجهين المسئولين ومدراء المدارس يرون المتشائمين اقل حماسا في التدريس ودراية بالعمل المدرسي من المتفائلين من المعلمين, واقل جودة وانتاجا, ومبادرة وتعاونا وانضباطا وحصافة في الرأي, وقدرة على التخطيط والتوجيه, وبشكل عام اقل اداء. حينما نرجع الى الواقع التعليمي وسياسته واتجاهاته بشكل عام, وذلك من اجل ان نبين العلاقة بين كل من التفاؤل والتشاؤم بخصوص المعلمين الذين تم تحليل بياناتهم السالفة الذكر, لابد من ان نرسم الصورة العامة للتعليم بشكل عام في دولتنا. فواقع التعليم في دولتنا جعل المعلمون يتفاءلون ويتشاءمون تارة اخرى نتيجة عدة اعتبارات. اي ان التفاؤل يرتبط ارتباطا وثيقا بالانتاج كما وكيفا, وبجوانب فهم المعلم للعمل الذي يناط به, واستيعابه من كافة جوانبه بالاضافة الى المبادرة من جانب المعلم في طرح الافكار والمقترحات الجديدة التي تعينه على فهم نفسه ومسئوليه والمتعلمين. اما التشاؤم فيرتبط عكسيا بالانتاج كما ونوعا, وبجوانب فهم العمل واستيعابه من جانب المعلمين والمبادرة في طرح افكار ومقترحات جديدة, كما يرتبط سلبيا بجوانب القدرة العقلية التدريسية, والمهارة في التعامل مع الاخرين والانضباط في العمل. اما مقاييس الاداء الوظيفي للمعلمين في التفاؤل والتشاؤم (للجنسين) فقد دلت الاحصاءات والدراسات انه لايوجد فرق جوهري بين متوسط الذكور ومتوسط الاناث. اما بخصوص الفروق بين المعلمين والمعلمات في المستويات التعليمية (الشهادات) ومقاييس الاداء الوظيفي في التفاؤل والتشاؤم, فقد تبين من بعض الدراسات بهذا الخصوص ان معدل الانتاج اعلى جوهريا في الشهادات الجامعية من معدل الانتاج بالنسبة للحاصلين على شهادة دبلوم المعلمين والثانوية العامة, لذا لابد من توخي الحذر من قبل وزارة التربية والتعليم والشباب في عملية استقطاب المعلمين (للجنسين) مستقبلا. معيار تنبؤي الصورة العامة التي يمكن استخلاصها من نتائج الدراسة, هي ان تحلى المعلمين بالتفاؤل, ليس في صالح صحتهم الجسمية والنفسية فقط, كما كشفت عن ذلك المعلومات التي (اسلفنا ذكرها) وليس مكسبا ذا قيمة اجتماعية يتقاضى عنه المعلم راتبا او ينعكس على سلوكه الظاهري فقط, وانما جاءت هذه الدراسات لتوضيح ارتباط التفاؤل بالاداء الوظيفي الايجابي للمعلمين. وهذه نتيجة مهمة للعملية التعليمية التربوية بلا شك, حيث تكمن اهميتها في الاسهام بالتنبؤ بمستقبل الطلاب وغرس القيم في نفوسهم من ناحية, والتنبؤ بالاداء عند اختيار المعلمين من ناحية اخرى, وهو امر له اهميته وقيمته التطبيقية في اختيار المعلمين من قبل وزارة التربية والتعليم والشباب على المدى البعيد. وفي التعيين والترقية, كذلك وفي تكوين فريق العمل المناسب للمهمات التربوية والارشاد التعليمي التربوي, والسيطرة على الضغوط. فلايزال الباحثون والمعلمون يبذلون كثيرا من الجهد والوقت والمال في تعزيز القدرة على التنبؤ باداء المعلم في عمله عن طريق استخدام الاختبارات والمقاييس النفسية, والعناية بها, واضافة معيار تنبؤي جديد يعتبر خطوة لها قيمتها في هذا الميدان. والسؤال الذي يطرح نفسه هو, ما الذي يجعل المتفائلون من المعملين يحظون بكل تلك الجوانب الايجابية من صحة جيدة, واداء وظيفي مرتفع, وغير ذلك, مقارنة بالمتشائمين من المعلمين؟ لعل احد التفسيرات التي نلاحظها في الميدان التعليمي من جانب بعض المعلمين هو, ان المعلمين المتفائلين هم اكثر قدرة على التكيف الفعال مع مواقف الحياة العصبية, التي تحتاج الى ضبط النفس في تلك المواقف, ويؤدي ذلك الى ازدياد قدرتهم على اتخاذ المواقف اللازمة لحل المشكلات التي تواجههم, وهم بالتالي افضل تخطيطا واكثر تركيزا في نمط تفكيرهم, كما يزداد احتمال تغلبهم على المواقف التعليمية, وقدرتهم على التعامل مع المسئولين سواء من داخل المدرسة او من خارجها, وهم اكثر اصرارا على تجاوز المشكلات. لكن المتشائمون من المعلمين اكثر احتمالا لتوقع وجود الموقف الصعب اصلا او الانسحاب منه سواء من داخل المدرسة او من خارجها, ومشكلتهم انهم ينظرون الى هذه المواقف من جانبهم على انها غير قابلة للحل, ولربما توقفوا عن محاولة التغلب عليها واستسلموا لها. وفي الختام, تعد هذه الدراسة من الدراسات النادرة ـ فيما نعلم ـ التي حاولت ان تعرف العلاقة بين التفاؤل والتشاؤم من جهة وانعكاسها على الاداء الوظيفي للمعلمين من جهة اخرى, وعلى ذلك فالامر بحاجة الى دراسات اخرى لتجيب على اسئلة مهمة من قبيل هل النتيجة مرتبطة بوظيفة المعلم خاصة, او يمكن تعميمها على مدراء المدارس ومساعديهم والاخصائيين الاجتماعيين والسكرتارية الخ؟ وتؤكد النتائج على ضرورة ان تسعى وزارة التربية والتعليم والشباب الى الاخذ بأيادي المتشائمين من المعلمين نحو التفاؤل, مع العلم ان هناك كثيرين من المعلمين (مجمدين على الرف في المدارس) والسبب تشاؤمهم! ونأمل من وزارة التربية والتعليم ان تحظى بدراسة اخرى مماثلة لسد ثغرات التشاؤم بالتفاؤل اذ ان الدين الاسلامي يدعو الى التفاؤل ونبذ التشاؤم. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا طيرة واحب الفأل الصالح) والطيرة هي التشاؤم من شيء ما, وعن معاوية بن الحكم السلمي انه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ومنا اناس يتطيرون, فقال: ذاك شيء يجده احدكم في نفسه فلا يصدكم) . رواهما مسلم.