قال الارهابى الصهيونى جابوتنسكى: ماهو الشرق.. هو غريب عنى كل الغرابة. فأنا عقليتى غربية وليس أهل الشرق سوى طغمة من الرعاع الذين يملأ صراخهم الآفاق..! فلاديمير جابوتنسكى واحد من أخبث زعماء الحركة الصهيونية التى خططت ودبرت وتآمرت من أجل اغتصاب الأرض العربية فى فلسطين.. واذا كانت الصحافة هى كما يسمونها مهنة البحث عن المتاعب, فان الصحافة فى حياة جابوتنسكى هى مهنة التسبب فى المتاعب بل فى المآسى القومية التى مازالت تحل بالشعب الفلسطيني بخاصة وبالأمة العربية بصفة عامة. ومن غرائب المصادفات ان يكون الزعيم الأول للحركة الصهيونية صحفيا نمساويا هو تيودور هرتزل (توفى عام 1904) ويكون الارهابى الأول للصهيونية المعاصرة صحفيا بدوره نشأ فى أوكرانيا الروسية منذ ولادته فى مدينة أوديسا وحتى وفاته عام 1940 وقد مارس الارهاب عبر طرائقه المختلفة بالفكر السياسيى الديماجوجي وبالخطابة الاثارية ثم بالتخطيط العسكري الذى أفضى الى مذابح وفواجع راح ضحيتها شعبنا فى فلسطين. امبراطورية فى دور الاحتضار ولأنه كان يشتغل بالصحافة والسياسة فقد استطاع فلاديمير جابوتنسكى منذ العقدين الأول والثانى من القرن العشرين ان يدرك حقيقة جوهرية كانت تختلط بالتمويهات والأمنيات وانصاف وأرباع الحقائق فى تلك الفترة وهى: ان الدولة العثمانية لم تعد كما كانوا يسمونها فى القرن التاسع عشر رجل أوروبا المريض بل انها أصبحت مع مطالع القرن العشرين رجل أوروبا الموشك على الاحتضار ولأن امبراطورية الترك كانت تعيش أيامها الأخيرة فقد كان طبيعيا ان تتسابق ان لم تكن تتكالب القوى الأوروبية على وراثة ممتلكاتها وأيالاتها الشاسعة بين مشرق العالم العربى وغربه, ثم كان من مساوئ الصدف ان تتعاصر هذه الأطماع التى ساورت القوى الامبريالية وقتذاك مع مخطط أقل حجما وأخفت صوتا ولكنه أعمق شرا, هو مخطط الحركة الصهيونية التى نسجته زعاماتها الأولى منذ آخر عقود القرن 19 بعد ان وضعت عينها لوراثة املاك امبراطورية بنى عثمان فى فلسطين ( وفى هذه الحقيقة بحد ذاتها ما يدحض تماما ما زعمته الدعايات الصهيونية من ان محرقة النازى ضد يهود أوروبا الهولوكوست هى التى دفعت الهجرات اليهودية الى فلسطين بوصفها أرض الملاذ من الاضطهاد). وقد عمد جابوتنسكى ومعه حاييم وايزمان الى تثبيت النظر والطمع ايضا على المشاركة فى إرث الرجل العثمانى الموشك على الاحتضار. كانت انجلترا قد خططت لاعلان الوراثة الذى يخصها فى المشرق العربى فيما كانت فرنسا قد حددت نصيبها من التركة فى المغرب العربى وقد عقد الطرفان لذلك اتفاقهما الودى الشهير (تأمل خبث التسمية) فى عام 1904 ولقد أدى هذا المنطق بجابوتنسكى ومعه وايزمان وغيرهما من زعماء الحركة الصهيونية الى تقديم خدماتهما للحلفاء الانجليز والفرنسيين خلال معارك الحرب العالمية الأولى. وكان الهدف كما تقول الموسوعة البريطانية هو ان يشارك اليهود (الصهاينة) فى ملء الفراغ الذى سيوجده فى فلسطين بالذات سقوط وتفكك الدولة العثمانية. وفيما نجح وايزمان فى اقناع المؤسسة الحاكمة فى بريطانيا لاصدار وعد بلفور الشهير عام ,1917 فقد نجح رفيقه جابوتنسكى فى اقناع الحلفاء للسماح بمشاركة يهود الدولة العثمانية (يهود الدوننمة كما كانوا يسمونهم) فى اطار فيلق يهودى يقاتل الى جوار الحلفاء فى منطقة الشام وكان الهدف الاساسى هو استكشاف منطقة فلسطين بوصفها مناط المخطط الصهيونى ورسم خرائطها واستطلاع أحوال شعبها وانساق مجتمعها (وهو ما يؤكد ما نذهب اليه باستمرار أو ما تذهب اليه كل بديهة فى عالم السياسة - ان المعرفة هى أول أسباب القوة). وكان الفيلق اليهودى فرقة الهاجاناه التى قام جابوتنسكى بتشكيلها وتولى قيادتها عام 1920 وفيما كان الهدف المعلن للفيلق اليهودى هو مؤازرة الحلفاء, كان الهدف المعتمد لفرقة الهاجاناه هو ممارسة الارهاب فى ظل الانتداب البريطانى الذى باركته عصبة الأمم المتحدة فى عقد العشرينيات ضد عرب فلسطين. وحاول الانتداب البريطانى ان يدين ارهابية جابوتنسكى وحكم عليه بالسجن 15 عاما.. ولكن كان هذا التصرف اقرب الى ذر الرماد فى عيون المراقبين فما لبثوا ان أطلقوا سراحه ليزيد بل ليضاعف نشاطه المحلى والدولى فى خدمة مخطط الاستيطان الاستعمارى الصهيونى لفلسطين وللدعوة لانشاء دولة يهودية على جانبى نهر الأردن (!) ولفتح السبيل أمام تدفق موجات بغير حد ليهود العالم الى فلسطين. والمتصفح لحوليات تاريخ هذه الفترة الربع الأول من القرن الماضى يفاجأ بمدى الحقد الأسود الذى كان يضمره جابوتنسكى بالذات ضد أهل المشرق (وربما ضد المسلمين) من عرب أو أتراك.. وتحكى سيرة هذا الزعيم الصهيونى أنه وفد على فلسطين قادما من الاستانة عاصمة الامبراطورية العثمانية عام 1908 وكان غرض الزيارة يتمثل فى تفقد أحوال المستوطنات الصهيونية الأولى فى أرض فلسطين وفى هذا السياق يقول البروفيسور روبرت سان جون فى كتابه عن الزعماء الاثنى عشر الذين شاركوا فى تأسيس اسرائيل ان جابوتنسكى أعلن وقتها ان الاقامة فى المستوطنات اليهودية يتطلب أمرين جوهريين وهما: * علم العبرية واعتمادها لغة للحديث ـ اتباع مبدأ الضرب بقوة وبقسوة ايضا (حرفيا توجيه لكلمات فظة قاسية). كراهية الشرق و يستطيع المتابعون والدارسون لهذا الشأن الصهيونى ولجذور الصراع التاريخى بين العرب واسرائيل ان يقرأوا فى هذا البعد من جوانب شخصية جابوتنسكى أبعادا مضاهية أو مماثلة أو قريبة الشبه بسلوكيات كثير من زعماء اسرائيل المعاصرة من أمثال جولدا مائير ومناحيم بيجين ولاسيما بالنسبة لنظرة الاستعلاء العنصرى الى العرب والأتراك والى المشرق الذى كان عثمانيا خلال النشأة الأولى لتلك الزعامات. ولأن جابوتنسكى كان صحفيا كما المحنا فى صدر هذا المبحث فقد عمد الى تجسيد هذا البغض الاستعلائي فى أقصوصة أدبية كتبها بعنوان إدميه قال فى سطورها: وليس أهل الشرق سوى طغمة من الرعاع الذين يملأ صراخهم الآفاق..! ماهو الشرق.. هو غريب عنى كل الغرابة. ان عقليتى غربية بكل تأكيد. ثم هاهو ينادى منذ تعاطيه مع الحركة الصهيونية فى أوائل القرن الماضى بدعوته التى يحدد فيها أهم صفة للمستوطنين اليهود الأوائل وهم آباء أو أجداد مستوطنى اليوم فى اسرائيل يقول جابوتنسكى فى عام 1906: يلزمنا اعداد نوعية من السكان (اليهود) فى فلسطين تمتلك القدرة على القتال فى سبيل استقلالنا السياسى (يقصد من أجل اعلان الدولة الصهيونية). وعندما جاءت عشرينيات القرن لم يتردد جابوتنسكى فى ان يفصح عن آرائه صراحة فيقول: ان السبيل الوحيد لتحرير بلادنا (يقصد تنفيذ المخطط الصهيونى فى فلسطين) لن يكون الا بحد السيف.. ولا ينبغى ان يسيطر علينا هذا الرعب من قوة العرب (استخدم جابوتنسكى تعبيرا لاتينيا ليصدق على هذا الرعب وهو تيرور ارابيكوسى).. ولقد فات الأوان ولم يعد مجديا ان نتظاهر بأننا ننوى الذهاب الى فلسطين لمجرد حراثة الأرض.. ولقد يلفت النظر ان جابوتنسكى وهو مؤسس المؤسسة الارهابية الصهيونية هو صاحب فكرة الوزارة الصهيونية الكبرى ويقصد بها مؤسسات الحكم الائتلافية التى تجمع بين صفوفها كل نوعيات الزعامات الصهيونية سواء صدقت عليها أوصاف المتطرفين أو المعتدلين.. أو الصقور أو الحمائم حسب التعبير الشهير الذى بات الفكر السياسى العربى المعاصر يرفضه بعد ان عمل على تسريبه واستخدامه ومحاولة اشاعته الكاتب الاسرائيلى حركيبى فى كتابه الذى حمل هذا العنوان. ويلفت النظر ايضا كما يقول الباحث الفلسطينى الكبير الدكتور اسعد مرزوق (فى دراسته الجامعية عن الفكر التوسعى الصهيونى) ان فكرة الوزارة الصهيونية الكبرى هذه تحققت فى يونيه عام 1967 الى بعد وفاة داعيتها الأول جابوتنسكى بنحو 27 عاما عندما ضم ممثل حزب حيروت الصهيونى الارهابى وهو خليفة فلاديمير جابوتنسكى (مناحم بيجين) الى الوزارة الحربية (وزارة الحرب) التى ألفها ليفى شكول و جعله فيها وزير دولة بلا حقيبة وزارية معينة. بعدها انفتح الطريق كما نعرف الى ان أصبح مناحم بيجين بعد حرب حزيران بعشر سنوات رئيس وزارة اسرائيل وتشاء الأقدار أو مفارقات السياسة ان يكون شريكا لرئيس أكبر دولة عربية فى التوقيع على أول صكوك الصلح مع اسرائيل, ثم تمعن الأقدار فى السخرية فتجعل من الارهابى المحترف مناحم بيجين شريكا لأنور السادات فى الحصول على جائزة نوبل العالمية للسلام. اعادة النظر فى التاريخ كل هذا التراث الذى تستند اليه الحركة الصهيونية والذى ظل معتمدا بوصفه الرواية الرسمية فى حواليات التاريخ الاسرائيلى عبر اكثر من 80 عاما بدأ يخضع لعمليات من الفرز والبحث والتحقيق والتدقيق والتمحيص والتفنيد فى اطار ما المحنا اليه فى حديث سابق من جهود مابرحت تبذلها مدرسة المؤرخين الجدد أو مدرسة التنقيح التاريخى أو المراجعة التاريخية فى اسرائيل. ورغم ان واحدا من أفراد هذه المدرسة واسمه بنى موريس يعمل استاذا للتاريخ فى احدى جامعات اسرائيل, الا انه لم يسعه وقد وصلت له وثائق افرج عنها الأرشيف الرسمى الاسرائيلي الا ان يكشف عن كم من الحقائق الدامغة وعن سلوكيات الخداع والنفاق التى كان يتبعها زعماء الصهيونية ورواد مشروع الاستيطان الاستعمارى الأوائل. هذا الاحتكام الى الوثائق والمستندات قاد الاستاذ موريس الى ضفاف قريبة من الحقيقة التاريخية ونلخصها فيما يلي: ان ثورة الشعب الفلسطينى فى الفترة 1936/ 1939 كانت حدثا بارزا وتاريخيا ينبغى النظر اليه باحترام تاريخى لأنها أقرب ما تكون الى انتفاضة شعب الأرض المحتلة فى الفترة 1987/ 1988 ان المستوطنين اليهود الذين كانوا أول من وفد على أرض فلسطين جاءوا الى المنطقة بروح استعلائية أوروبية مركزة على الذات (غير مراعية لمشاكل الآخرين). ان الزعامات الصهيونية ظلت تعتمد النفاق والمراءاة وازدواجية المعايير نهجا فى السلوك حيث كانت تطلع على الرأى العام بوجه ثم اذا خلوا الى شياطينهم كما قد تقول يكون لهم وجه آخر مناقض تماما. نفاق هرتزل ان الاستاذ موريس ولا تنس أنه يعلم التاريخ فى جامعات اسرائيل, يقارن بين مقولات تيودور هرتزل العلنية بأن الصهاينة المستوطنين كانوا يراعون قواعد اللطف والرقة والدماثة مع العرب المحليين كما كانوا يسمونهم وفى الوقت نفسه كان هرتزل يخلو الى مذكراته فيكتب فيها سطورا مناقضة يقول فيها: علينا ان نصادر الأراضى (يقصد طبعا أراضى عرب فلسطين لصالح اليهود المهاجرين الأوروبيين وغيرهم ولكن بتؤدة ورفق. ان من عوامل تفجر الموقف وحتى من أسس احتدام الصراع العربى الاسرائيلي فى رأى الأستاذ موريس ان الصهيونية (بوصفها حركة تجسد النزعة القومية اليهودية) كانت قد سبقت بلورة النزعة القومية العربية بنحو 25 عاما وكانت تلك ثغرة فاصلة مالبثت ان خلقت بصماتها على انساق وأنماط الصراع بين الجانبين. وفى كل حال, فقد يحمد لهذه المدرسة التنقيحية انها تعتمد نهجا يقوم اساسا على اعادة سرد الرواية التاريخية وهي تصدر فى ذلك عن منطق التشكك الاكاديميى فى مدى مصداقية الروايات الرسمية التى ظلت هى المعتمدة حتى علاها الصدأ ومن ثم التكلس مع مرور السنين وهو الأمر الذى جعل الحقيقة التى وقعت تختلط بالخرافة والاسطورة ومنسوجات الخيال المغرض.. الا ترى الى الصهيونية وقد اعتمدت لتوثيق مقولاتها عن الهولوكوست افلاما سينمائية عملت على تكريسها وكادت تفرضها على الاذهان وكأنها حقائق تجسدت فى بنية الواقع وآخرها - كما لعلك تعرف فيلم قائمة شندلر الشهير الذى توجوا به صاحبهم المخرج اليهودى سبيلبرج على عرش جوائز الأوسكار هذا فى حين انهم لاينفكون يلاحقون كل استاذ عالم او كل مؤرخ حر أو كل مؤرخ مدقق اذا ماعن له, أو اذا ما تجاسر على ان يضع مقولات الهولوكوست موضع التشكك الاكاديمي ولو فى جزئية هنا أو واقعة هناك وهو ما بسطنا عنه الحديث فى اجزاء سبقت من هذه الأحاديث. وماذا عن العرب؟ ومهما يكن من أمر.. فقد يستطيع المرء ان يخفى الحقيقة أو يخمد نورها بعض الوقت ولكن لن يستطيع ذلك كل الوقت ولا هو بمستطيع ان يخفي هذا الضياء باستمرار عن عيون الناس وخاصة فى عصر بات يقتات بالمعلومات ويطرح الاستفسارات ويحرص على ان يقلب الأمور على شتى جوانبها واذا كانوا على الجانب الصهيونى من الصراع التاريخى قد شرعوا فى عمليات البحث والتدقيق والمراجعة والتمحيص, فقد يكون العرب وهم أصحاب الجانب الآخر من القضية وهم أيضا أصحاب حق مستلب مغصوب. هم الأجدر بمتابعة هذه العمليات التصحيحية انصافا لأنفسهم ولحقهم ولنضالاتهم ولوعى أجيالهم الجديدة.. وللتاريخ.