(.. وإني قد تركت فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا بعده أبدا بعدي.. كتاب الله وسنتي..) . وهكذا لخص الرسول محمد صلى الله عليه وسلم المرجعية العظمى للمسلم: كتاب الله. وهي مرجعية اكتملت واصبحت سارية منذ أربعة عشر قرناً... وسوف تظل كذلك إلى يوم تقف الخلائق للحساب.. يوم لا تنفع معذرة أو حجة لاتستند الى المرجعية الإلهية العظمى مهما تبجح صاحبها في الحياة الدنيا. على (جبل الرحمة) في عرفات عند اقتراب نهاية السنة العاشرة للهجرة سرد الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ـ وقد أدرك بوحي إلهي انه على وشك الانتقال الى جوار ربه ـ خلاصة الرسالة. وعندما فرغ سأل الجمع الحضور: (وأنتم تسألون عني فماذا أنتم قائلون؟) قالوا: (نشهد أنك قد أديت الأمانة, وبلغت الرسالة, ونصحت الأمة) . فقال الرسول: (اللهم اشهد.. اللهم اشهد..) . وخطبة (حجة الوداع) هي اعظم منشور عالمي في الحقوق والواجبات عرفته الانسانية على الاطلاق.. وسوف يظل كذلك الى يوم القيامة. وكونه اعلامياً وانسانياً وخالد مغزى, تنطوي عليه صيغة الخطاب.. ففي فقراته المفتاحية لم يقل الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام (أيها المؤمنون) أو (أيها المسلمون) .. انما كان يردد (أيها الناس) . تبدأ الخطبة بالتوحيد وتنتهي بالتوحيد. هذا هو مفتاح الأمر. وانظر حولك وتأمل لتدرك أن الضلال يبدأ في دخيلة المرء عندما يتوجه بمشاعر الرهبة أو الرغبة صوب أوثان العصر فيتعامل مع أقوياء البشر وكأنهم آلهة.. يخافهم ويرجوهم ويسلم أمره كله اليهم. وهذا أساس الخسران.. لأنه لن يكون هناك معنى لعبادات المرء اذا استبد الشرك بقلبه ابتداء. ولذا بدأت خطبة الوداع بعبارة (لا إله إلا الله وحده لا شريك له) وانتهت بعبارة (اللهم اشهد.. اللهم اشهد) . وفي حقوق الانسان تنطلق الخطبة من مبدأ المساواة بين البشر على اختلاف الجنس والهوية العرقية, يقول الرسول الكريم أيها الناس: إن الله يقول (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا, إن أكرمكم عند الله أتقاكم) . فليس لعربي على أعجمي فضل ولا لأعجمي على عربي, ولا لأسود على أبيض, ولا لأبيض على أسود فضل إلا بالتقوى. هذه الأية ومعها تفسيرها النبوي تنطوي في كلمات معدودة على كل ما تلاها لاحقاً من مواثيق وضعية لحقوق الانسان ولكن أيضا تتميز عليها بشرط التقوى كمعيار اعظم للتفاضل بين الناس حتى وان تساووا في الحقوق والواجبات. فكيف يتساوى من يتخلق بالصدق والأمانة وكف الأذى عن الناس والشجاعة والسخاء وإغاثة الملهوف مع من لا يتحرى إلا الكذب وخيانة الامانة والاعتداء على الناس وظلمهم ومخادعتهم والغدر بهم؟ ومثل هذا هو ما تحذر منه فقرة لاحقة في خطبة الوداع حيث يقول الرسول الكريم: (أيها الناس.. إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا في بلدكم هذا. وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم) . وتأمل في دول عظمى في عصرنا هذا تخاطب العالم ليل نهار بمواعظ (حقوق الانسان) .. وفي الوقت نفسه تشن حروباً على شعوب مسالمة بغيا وظلماً وتدبر اغتيالات وانقلابات ولا تنفك عن نهب ثروات غيرها. وإذ يحذر الرسول الكريم الناس من الاعتداء على بعضهم البعض فأنه ينصح المسلمين بالتآزر والتضامن حتى يخشاهم المعتدون.. فيقول: (أيها الناس.. كل مسلم أخو المسلم.. وإن المسلمين إخوة) . ويوم عرفات تذكار سنوي بأحكام الاسلام ومبادئه للحجاج وغير الحجاج.. لأنه المناسبة التي عرض فيها الرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم الخلاصة العظمى للرسالة.