بقلم: د. محمد وقيع الله يعيش معظم مسلمي وعرب أمريكا بملايينهم الثمانية, في الولايات الكبرى, ذات التأثير الحاسم على الانتخابات الأمريكية, وهي: كاليفورنيا, نيويورك, نيوجرسي, اوهايو, ميتشيجان, تكساس, وإلينوي, وتأثير هذه الولايات بثقلها السكاني والاقتصادي ليس حاسما فقط على النتيجة النهائية للانتخابات, وانما حتى على مراحلها الأولى, حيث يتضح من مؤشراتها مدى تمتع المرشحين بالأهلية, وهكذا يتاح لمسلمي وعرب أمريكا بعدديتهم التي تناهز عددية الناخبين اليهود, بل هي بصدد ان تتفوق عليها, يتاح لهم ليس الترجيح فقط بين المرشحين المتنافسين, أو الترجيح بين الحزبين الرئيسيين, وانما أيضا في حسم اختيار المرشحين باسم ذَيْنَك الحزبين. الامتياز المُهْدَر لكن هذه الوضعية الامتيازية, هي بمثابة الوضعية المهدرة حاليا من قبل هؤلاء المسلمين والعرب, فهم قل ان يتحركوا انطلاقا منها, وقل ان يشعروا بها أساسا, وكم بحَّ صوت الناشط العربي الأكبر في أمريكا د. جيمس زغبي تنبيها وتوعية من دون ان يكون لصوته المردود المطلوب, ولكن ما يثير حقا هو ان جيمس زغبي لا ييأس أبدا, وهو يبدو شديد التفاؤل وسعيدا دائما بأن هنالك نتائج من نوع ما تظهر ان هنالك احساس متنام وتحرك متصاعد, وان كان ذلك التنامي والتصاعد دون الحد المفترض بكثير. تقوم نظرية زغبي, وهو من أبناء الجيل الثالث للعرب الأمريكيين, على ضرورة دمج الجهود العربية الاسلامية, وهو بعقله السياسي الناضج يركز جهوده على جمع وتوحيد أصوات المسلمين أكثر مما يركز على جمع أصوات العرب الأمريكيين وذلك بحسبان ان الأصوات الأولى هي الأكثر والأعلى, وان القسم الأكبر منها هي أصوات مواطنين أصليين, غير مهاجرين, ولا أبناء مهاجرين, وبالطبع فلا يغفل د. زغبي عن رصد أصوات العرب الأمريكيين, فهو منهم, ومؤسسته المسماة بالمعهد الأمريكي العربي ترمز إلى الهوية العربية, ونصف هؤلاء العرب الأمريكيين تقريبا هم غير مسلمين (حوالي مليونين منهم نصارى), ولكن د. جيمس زغبي يركز بحصافة بالغة على المشترك بين الطرفين من نصاري العرب ومسلميهم, وعلى المشترك بينهما وبين المسلمين من غير العرب, سواء أكانوا أمريكيين أصليين, أو مهاجرين أو أبناء مهاجرين. المشاركة المتواضعة ولكن حتى الآن لم يندفع أكثر من 10% من هؤلاء إلى المشاركة في الانتخابات, ولو بمجرد الادلاء بالأصوات, فثمة شعور عام باللامبالاه والاحباط يسود تلك الأوساط, وهو شعور نابع من الظن بأن التصويت لا يقدم ولا يؤخر, ولا يحرز أي نتائج تذكر, لصالح العرب والمسلمين, فكلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي يحتفظان بنفس الآراء السلبية تجاه العرب والمسلمين كمواطنين, وتجاه دول العالم العربي والاسلامي كذلك. ويظن معظم الناخبون العرب والمسلمون انهم لو اندفعوا للمشاركة في الانتخابات بدون تنسيق كاف, وذهبت أصواتهم مشتتة كل يختار المرشح الذي يريد, لما استطاعوا ان يطالبوا بمقابل لنظير مساندتهم لهذا المرشح أو ذاك, فالأمر يتطلب أولا قدرا من التخطيط والتنسيق, كما تفعل الأقلية اليهودية الأمريكية, حيث اتفقت قياداتهم في الانتخابات الماضية على مساندة كلينتون ورمي ثقلهم وراءه فصوَّت أكثر من 80% من يهود أمريكا لصالحه, واستطاعوا بالتالي ان يتحكموا فيه ويخترقوا ادارته, ويهيمنوا عليها كما أرادوا. لا تخلو وجهة نظر القائلين بأولوية التخطيط والتنسيق من سداد, ولكن الوصول إلى تلك الغاية لايمكن ان يتم بدون خوض تجارب كثيرة في هذا الميدان, فالتخطيط والتنسيق لا يمكن ان يتم في الاطار النظري المفصول عن الخبرة واتصال الممارسة ثم ان المسرح السياسي, لن يعامل مطالب العرب والمسلمين بجدية, إلا إذا علم انهم يصوتون فعلا. وقد دأب كثير من المرشحين على زيارة العرب والمسلمين في منتدياتهم ومراكزهم الثقافية والدينية واقامة مآدب العشاء لهم, ولكن الحصيلة ظلت دائما متواضعة سواء في الحضور والحديث إلى أولئك المرشحين, أو بتقديم المساندة لهم ولو بالمشاركة بالتصويت. الترسبات القديمة وقد استضاف اللوبي الاسلامي في واشنطن عددا من كبار العلماء الاسلاميين, واستطلع آراءهم عن حكم الدين في المشاركة في الانتخابات الأمريكية, سواء بالتصويت أو الترشيح, وقد جاءت أغلب الآراء مساندة لموضوع جواز المشاركة في عملية التصويت والترشيح معا, أي امكان ترشيح المسلمين الأمريكيين لأنفسهم للمجالس والحكومات المحلية, والمنظمات السياسية الداخلية, والانضمام للأحزاب, وانشاء التكتلات والتحالفات ...إلخ. وبالطبع فمثل هذه الآراء والفتاوى تحتاج إلى زمن طويل لتفعل فعلها في إزالة ترسبات الآراء القديمة القائمة على حرمة وحظر الاشتراك في العمل السياسي الأمريكي. هذا الاعتقاد بعدم جواز تمثيل المسلمين لأنفسهم في المؤسسة السياسية الحاكمة, هو اعتقاد مرجوح كما أفاد العلماء, وهو مسئول إلى حد ما عن ضعف تمثيل المسلمين سياسيا في أمريكا, فمع انهم يمثلون نحو 3% من تعداد السكان, إلا انه لايوجد لهم أي ممثل لا في مجلس النواب, ولا مجلس الشيوخ, ولا في المناصب السياسية الكبرى, ولا الوسطى, ولا حتى في صفوف المستشارين أو المساعدين, وبمقارنة هذه الوضعية بنسبة تمثيل اليهود الأمريكان في المؤسسة السياسية, فإن اليهود الذين يشكلون أيضا نحو 3% من تعداد السكان, إلا انهم يشكلون نحو 10% من نواب مجلس النواب والشيوخ, ونحو 30% من شاغلي المناصب السياسية الكبرى!! وبالطبع فقد ساهمت عوامل اخرى في ضعف تمثيل المسلمين والعرب في المؤسسات السياسية منها العاملين التعليمي والاقتصادي, حيث كانوا في الماضي دون مستوى التعليم والمستوى الاقتصادي للمواطنين اليهود بكثير, ودون المستوى القومي العام الى حد ما, ولكن انعكس الوضع الان حيث اصبح مستوى تعليم العرب والمسلمين الان اعلى من المعدل القومي العام بكثير, وان كان لايزال ادنى من معدل التعليم لدى اليهود, اما المستوى الاقتصادي فقد تطور كثيرا واصبح في المستوى القومي العام وتقدر ثروة مسلمي امريكا الان باكثر من مئة وخمسين مليار دولار. عوامل مساعدة ان تحسن الوضعين التعليمي والاقتصادي لعرب ومسلمي امريكا يرجى ان يلعب دورا ايجابيا بمرور الزمن لصالح انغماسهم في العمل السياسي ونيل حقوقهم الضائعة او المهدورة حاليا, كما يساعد عامل لانفتاح على الاقطار الاسلامية بسبب تقدم وسائط الاتصال على تطور اهتمامهم وانفعالهم بالقضايا العربية والاسلامية, وكذلك تعميق انتمائهم لهويتهم الاصلية استقاء من تلك الصلات, وكل المؤشرات حاليا تدل على ان الجيل الحالي من عرب ومسلمي امريكا, هو اكثر تمسكا بتلك الهوية من الجيلين الماضيين واقل ذوبانا في التيار الامريكي. يبقى هؤلاء في حاجة الى مساعدة الدول العربية والاسلامية, وهذا امر لا يمنعه القانون الامريكي, طالما كانت تلك المساعدة علنية ومسجلة, وقد ابتدأت عدة دول عربية واسلامية في الانتباه لذلك الشأن من خلال تعاملها مع شركات علاقات عامة, ومراكز ضغط في الكونجرس لصالح قضايا بعينها, ويمكن بالطبع تطوير تلك الاتصالات لتشمل المراكز السياسية لعرب ومسلمي امريكا او التنسيق معهم لصالح قضايا الاوطان الاسلامية والعربية. حلم رتشارد كيرتز تنشط معظم هذه المراكز في هذه الايام لصالح تسجيل اصوات المسلمين والعرب, ودفعهم لمجرد الاشتراك في الانتخابات, ولو بدون تنسيق, ولكن لا يخلو الميدان من جهود بعض المنسقين من امثال الناشط الكبير لصالح الجهود العربية رتشارد كيرتز, وهو دبلوماسي امريكي سابق, عمل سفيرا بعدة عواصم عربية, وتعرف على عدالة القضايا العربية, وهو يقترح على مسلمي وعرب امريكا ان يدعموا باصواتهم المرشح الجمهوري بوش ـ الابن ـ اذ ان آل جور هو اشد تطرفا لصالح اسرائيل من كلينتون وهو لا يني يؤكد ان دعمه لاسرائيل سيستمر ابديا وبلا شروط, وذلك في مقابل بوش الاقل تحفظا في دعم اسرائيل, وربما الوارث لخط أبيه, الذي عمل في اخريات عهده على كبح النفوذ الصهيوني, فاستحق بذلك غضبة اللوبي اليهودي, الذي نسف عملية اسقاطه في الانتخابات ضد كلينتون. دعوة رتشارد كيرتز موضوعية الى حد بعيد, وهو لايزال يحمل بتحقيقها واقعا قبل ان يموت وهو قد دخل العقد السابع من العمر ويعتقد كيرتز ان مسلمي وعرب كالفورنيا وحدهم يمكن ان يحققوا ذلك الحلم, فكالفورنيا هي الولاية الاكبر من حيث عدد الاصوات, وهي التي تحسم عادة النتائج النهائية للانتخابات, فمن يفوز بها يفوز بالانتخابات, ومسلمو وعرب كالفورنيا يقترب تعدادهم من المليون وهم بذلك قادرون على الترجيح بين المرشحين كما يقول كيرتز. ترى هل يمكن ان يتحقق ذلك الحلم؟! نعم.. ولكن ليس قبل ان يؤمن به اصحاب الشأن, ويبذلوا الجهد الفائق في سبيله.