بقلم: ياسر الفهد ان كل متتبع لعملية صنع السلام في الشرق الأوسط, يعرف ان هذه العملية تسرع حينا, وتبطئ حينا آخر, إلا ان الشعور العام, هو ان قطار السلام قد تأخر كثيرا عن الوصول إلى محطاته المحددة. وحتى الرئيس الأمريكي السابق بوش, فقد صرح بعد نجاحه في عقد مؤتمر مدريد الذي جمع العرب والاسرائيليين على مائدة المفاوضات بما معناه ان مثل هذا المؤتمر, كان يجب ان يعقد قبل عقود , وان وقتا طويلا جدا قد ضاع هدرا, ولعلنا نذكر كيف ان الكثيرين من الناس, بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر واسرائيل, توقعوا ان تعقبها بسرعة اتفاقيات أخرى وشيكة مع باقي الأطراف العربية, ولكن شيئا من هذا لم يحدث, فطال الانتظار ومرت السنون ثم تلتها العقود, ولم يحدث شيء, إلى ان تم عقد مؤتمر مدريد الذي أعقبه بعد فترة طويلة توقيع اتفاقيات أوسلو التي طبق منها ما طبق, وتعثر ما تعثر, ثم تلا ذلك معاهدة السلام بين الأردن واسرائيل. وبعدها بدأت المفاوضات الجدية في المسار السوري, وأصبح هناك حديث عن اتفاقيات سلام نهائية محتملة بين اسرائيل من جهة, وكل من سوريا ولبنان والسلطة الفلسطينية من جهة أخرى. والحقيقة ان ما بذل من جهود خارقة, وما تم من لقاءات ومؤتمرات واجتماعات ومفاوضات في سبيل سلام الشرق الأوسط, يفوق كل ما بذل وتم, في أية مشكلة أخرى من مشكلات العالم, ومع ذلك, فإن السلام الشامل لم يتحقق بعد, فما سر هذا التأخر والتعثر؟ وهل هما مقصودان, أم ناجمان عن عقبات كأداء يصعب التغلب عليها وفجوات واسعة لا يسهل جسرها؟ يبدو ان الأمرين واردان معا, فالمعنيون بأمر السلام يريدون ان يتحقق بطريقة بطيئة جدا لكي تقتنع به الشعوب تدريجيا وتصبح قادرة على هضمه وتمثله, حتى يكون سلاما صلبا ودائما, ولا تهزه الأعاصير ولا تحيله هزات الزمن إلى ركام, وهذا على الأقل ما يفكرون أو ما يأملون به, بصرف النظر عن صحة أو خطأ ما يذهبون إليه. أما عن العقبات, فحدث ولا حرج, فهي كثيرة جدا إلى درجة أننا لا نعرف بأي نبدأ منها وبأي ننتهي, وعلى كل حال, سنأتي الآن على ذكر بعض منها: فشعوب الشرق الأوسط وزعماؤها ليسوا جميعا مهتمين كثيرا ومتحمسين أو تواقين إلى تحقيق السلام, فالشعب العربي يشعر بصعوبة, ان لم يكن باستحالة اقامة علاقات وئام ومحبة ومودة مع من شرد الكثيرين من أبنائه, وأخرجهم من ديارهم الآمنة, ومع من سفك الدماء ونهب الأرض, واليهود بدورهم يشعرون بصعوبة التخلي عن أراض يتوهمون بأنها ملك تاريخي لهم, وعدهم الله بها دون سواهم من شعوب الأرض. وإذا انتقلنا من مستوى الشعوب إلى مستوى الحكام, نجد ان لهؤلاء أسبابهم التي تجعلهم يتخوفون من كل خطوة سلام تتحقق, فالزعيم الاسرائيلي يتوجس شراً, ويحسب ألف حساب قبل ان يعيد للعرب شبرا واحدا من الأرض خوفا من الرأي العام الاسرائيلي, بوجه عام, ومن المتطرفين دينيا والمتشددين على مختلف أنواعهم بصورة خاصة, لذلك نراه يماطل ويسوّف ويؤجل, على الرغم من نية تحقيق بعض الانسحابات في نهاية المطاف. وننتقل الآن الى عقبة اخرى من العقبات وهي الاختلاف على الشروط, فما يريدونه يختلف عما نريده, ومصالحهم غير مصالحنا, انهم يحاولون الاحتفاظ بمساحات من الاراضي في الضفة الغربية والجولان بحجة الامن, زاعمين انهم اذا تخلوا عن هذه الاراضي ستصبح مدنهم وقراهم مكشوفة ومهددة وغير محصنة امام الهجمات المحتملة, ويذكرون بشكل خاص هضبة الجولان المرتفعة, والمطلة على ارض اسرائيلية منخفضة. اما العرب فليس فيهم من يقبل بفكرة التخلي عن شبر واحد من الاراضي التي احتلتها اسرائيل في حرب يونيو 1967. كما ان اي زعيم عربي لا يستطيع ان يسلم بهذا الامر, حتى لو اراد, لئلا تتشوه صورته امام شعبه, وهناك مسألة اللاجئين الفلسطينيين الذين اجبروا على ترك فلسطين في عام 1948 فليس من مصلحة اسرائيل اعادتهم الى بلادهم, لان هذا سيؤدي الى زيادة الكثافة السكانية العربية, بالنسبة للكثافة السكانية الاسرائيلية المحدودة, وهذا يجعل من مصلحتهم توطين اللاجئين في الاقطار العربية التي يقيمون فيها الان, مثل لبنان وسوريا ومصر والعراق وغيرها, مع احتمال التعويض عليهم بسبب فقدانهم املاكهم وتشردهم لعدة عقود من السنين, وهذا ما يرفضه العرب, حتى الان, علنا على الاقل. وتوجد ايضا معضلة المستوطنات التي يسكنها عشرات الاف المستوطنين اليهود في الضفة الغربية والجولان منذ عقود, فبقاء هذه المستوطنات وسط التجمعات السكانية العربية, غير مقبول من العرب واليهود على السواء لاسباب مختلفة, كما ان ترحيل المستوطنين الى اسرائيل امر صعب, لانه ليس من السهل عليهم, من وجهة نظرهم, هجر بيوتهم التي عاشوا فيها لفترة طويلة من الزمن, ولاشك ان اسرائيل ستطالب بالحصول على ثمن باهظ جدا وتنازلات كبيرة من العرب لقاء تخليها عن المستوطنات, فيما لو قررت ان تتنازل عنها بالفعل, وهذا احد اهم اسباب معوقات السلام. ولا ننسى ايضا مسألة المياه, فالشرق الاوسط, بمن فيه من العرب واليهود, يعاني من نقص في المياه, ومن المتوقع ان يزداد الوضع سوءا, مع تكاثر السكان, لذلك فإن كل طرف يحاول ان يحصل على اكبر حصة ممكنة من مياه الانهار والبحيرات, مما يشكل عقبة لا يستهان بها في المفاوضات. وهناك ايضا مشكلة اخرى تتمثل بما اذا كانت الضفة الغربية ستتحول الى دولة تحوز على كامل حقوقها, مثل انشاء جيش وطني كباقي الجيوش, ام الى مجرد كيان مقيد بشروط ومجرد من حق تقرير المصير. كانت هذه بعض العقبات التي اخرت, وما زالت تؤخر الوصول الى سلام شامل في الشرق الاوسط, ولكن هل يعني هذا ان السلام لن يحل في هذه المنطقة؟ اننا نعتقد ان العقبات لن تلغي السلام وانما ستؤخره وحسب, وذلك لان هناك عوامل عديدة تعمل بدورها لصالح العملية, فقد سئم بعض العرب والاسرائيليين الحروب وهدر الطاقات واستنزاف القوى, وباتوا يتوقون الى أحوال اقتصادية ومعيشة افضل, ونحن لا نعتقد ان هؤلاء قد وصلوا الى هذا الوضع بطريق الصدفة, او بمرور الزمن, وانما لان التخطيط الدولي المركز وبعيد المدى والخفي, هو الذي اوصل شعوب الشرق الاوسط الى وضع نفسي اصبحوا في ظله غير ميالين لمقاومة السلام, حتى لو كرهوه, ومن جهة ثانية, فإن امريكا واوروبا ودول النظام العالمي الجديد, لن تقف مكتوفة الايدي امام عقبات السلام ومعوقاته, بل انها ستسعى الى تشديد ضغوطها السياسية والاقتصادية والتدخل لدى الطرفين العربي والاسرائيلي, على اساس مبدأ المكافأة والعقاب, وهذا يعني تقديم حوافز ومساعدات اقتصادية ومالية وعسكرية لكل طرف, كلما ابدى مرونة واعتدالا وتسامحا في المفاوضات. واحدث مثال على ذلك ان امريكا قررت ان تدفع لاسرائيل ما يعادل مليار دولار لقاء تنفيذها اتفاقية شرم الشيخ والعكس صحيح, اي ان الدول الكبرى ستلجأ الى معاقبة الطرف الذي يبدي تصلبا وتعنتا وتشنجا في المفاوضات, بطرق شتى علنية وخفية, وهكذا, فإن علينا ان نتوقع انتعاشا لعملية السلام في فترات ما, وتعثرا لها في فترات اخرى, لان هناك قوى وعوامل تعمل لتحقيق السلام والتعجيل به, مقابل قوى اخرى تسعى الى الغائه او تأخيره.