اربعة تطورات هي اشد ما تخشاه اسرائيل من الجانب العربي.. وهي بالترتيب التصاعدي ما يلي: وقف مسار التطبيع بأشكاله الاقتصادية والثقافية. قطع العلاقات الدبلوماسية وشبه الدبلوماسية. الغاء اتفاقات السلام السارية. الحرب. من منظور هذه الامور الاربعة نستطيع ان نفحص مجموعة القرارات التي تبناها هذا الاسبوع اجتماع وزراء الخارجية العرب في بيروت لنحدد مدى قيمتها على الصعيد التطبيقي. من اول وهلة ودون عناء ندرك انه من بين الامور الاربعة المفتاحية لم تشتمل مجموعة القرارات الا على بند واحد هو البند الاول المتعلق بوقف مسار التطبيع العربي مع اسرائيل بأشكاله المتعددة, والغياب الكامل للخيارات الثلاثة الاخرى ليس وحده السبب في تهافت القرارات, فالبند الوارد فعلا لم يوضع كقرار ناجز وانما وضع ك (دعوة) . ولنطالع النص: (دعوة الدول العربية التي تقيم علاقات مع اسرائىل في اطار عملية السلام الى اعادة النظر في هذه العلاقات بعد العدوان الاسرائىلي الاخير على لبنان) . وعندما تتوقف عند تلك المجادلة بين وزيرين والتي كان احدهما يحاول من خلالها ايجاد معاذير وتبريرات للسياسة الاسرائىلية تستطيع ان تستخلص لنفسك مدى قابلية هذه (الدعوة) للتلبية العربية. اذن, اقصى ما ذهب اليه هذا الاجتماع الوزاري العربي (الحاسم) تجاه اسرائىل ليس سوى مناشدة الى دول عربية معنية بشأن عملياتها التطبيعية مع الدولة اليهودية. وحتى على هذا النحو الاستحيائي فانها ليست مناشدة صريحة لوقف التطبيع وانما (اعادة النظر) فيه. وتستطيع ان تتخيل ان ممثلي الدول المعينة والمعنية في الاجتماع قد استماتوا في حمل الاجتماع على ابتكار ادنى الصياغات اللفظية قوة واشدها ضعفا خشية اثارة المشاعر الرسمية الاسرائىلية. هذا التوجس نتلمسه ايضا في سياق مماثل حيث ينص احد قرارات الاجتماع على استنكار التصريحات التي ادلى بها بعض مسئولي (دول صديقة) في اعقاب العدوان الاسرائىلي الاخير والتي سادت بين اسرائىل المعتدية ولبنان المعتدى عليه.. وهنا لا تملك الا ان تتساءل: هل المقصود بذلك هو التصريحات الامريكية التي وردت على لسان جيمس روبن المتحدث باسم الخارجية الامريكية, ام ليونيل جوسبان رئىس الحكومة الفرنسية؟ ان تصريحات جوسبان العدائية دحضت رسميا ببيان فرنسي لاحق فاعتبرت فرنسيا وكأنها تصريحات شخصية. واذا كان المقصود بالاستنكار العربي الوارد في بيان الاجتماع الوزاري هو اذن التصريحات الرسمية الامريكية التي نعتت (حزب الله) اللبناني بالارهاب فإن ما يستوقف المراقب هنا هو, اولا, عزوف الاجتماع الوزاري عن تسمية الولايات المتحدة باسمها كقوة عظمى لم نحاول في اي يوم ان نخفي شراكتها الاستراتيجية لاسرائيل, وثانيا, اعتبارها في سياق الصراع العربي الاسرائىلي دولة صديقة. بناء على هذه الملاحظات فإن قرارات الاجتماع الوزاري العربي ليست كسابقاتها من القرارات المماثلة اكثر من صيغ لفظية بلاغية لا تعني شيئا. وهذه الحقيقة تظهر لك بصورة اوضح اذا طالعت بيان القرارات بعين اسرائىلية, فليس فيه من اوله لآخره ما يمكن ان يرعب الساسة الاسرائىليين او يردعهم عن شن عدوان عسكري مستقبلي على لبنان او دولة عربية اخرى اذا ما تراءى لهم ذلك. من الزاوية الاسرائىلية اذن لا جديد تحت شمس الشرق الاوسط. والجديد الذي يمكن ان تقيم له اسرائيل وزنا هو بالطبع استعداد عربي لرد هجوم عسكري بهجوم عسكري, تقليدي كان ام كفاحا مسلحا. وهذا صار بعد كامب ديفيد واوسلو ووادي عربة في ذمة التاريخ. مع ذلك يبقى خياران اخران: الغاء معاهدات السلام هذه بقرار عربي او قطع العلاقات الدبلوماسية وشبه الدبلوماسية. ولكن اذا كان العرب يتحرجون من مجرد وقف التطبيع الجاري ويتهيبونه.. فكيف يقدمون على ما هو أشد جرأة؟