في حوار تلفزيوني هام مع الدكتور عزيز صدقي رئيس وزراء مصر الأسبق, توقف الرجل عند حقيقة هامة وهي ان مصر قد عاشت حالة استقرار اقتصادي مثيرة للدهشة خلال حرب أكتوبر. لم تكن هناك أزمة في سلعة تموينية هامة لم تتوقف المصانع. لم تحتاج مصر لتقنية المواد الغذائية ولا لاجراءات استثنائية لتوفير الاحتياجات الأساسية. والفضل في ذلك - كما شرح الرجل - يعود للقاعدة الصناعية التي استطاعت مصر بناءها في الخمسينيات والستينيات, وإلى استمرار التوسع الصناعي حتى في ظل أصعب الظروف.. من حصار اقتصادي تم فرضه على مصر في بعض الفترات عقابا لها على سياستها التحررية, إلى العدوان المباشر في 56 و,67 إلى الاستنزاف في آداء الواجب نحو الأشقاء من الجزائر إلى اليمن. استمر التوسع الصناعي رغم كل شيء, وبنت مصر قاعدة صناعية هائلة حمت البلاد من الانكسار بعد 67 ووفرت الاحتياجات المطلوبة في حرب الاستنزاف الطويلة, ثم أعدت كل شيء للحرب المنتصرة في أكتوبر. بالصدفة البحتة كان حديث عزيز صدقي باني الصناعة الحديثة بعد ثورة يوليو, يتوافق مع عدد من الظواهر التي أثارت القلق, وفتحت الباب لحوار حول عدة قضايا اقتصادية هامة لابد من حسمها في اطار مواجهة التحديات الهائلة التي تواجهها مصر والعالم العربي في المرحلة المقبلة. في مجلس الشورى وقف عضو بارز هو رئيس لجنة الصناعة بالمجلس وأحد أبرز الصناعيين في السنوات الأخيرة يحذر من مخاطر هائلة تتعرض لها الصناعة المصرية, ويطالب بعدم بيع البنوك العامة وشركات التأمين لان وقوعها في أيدي الأجانب سيجعل الصناعة الوطنية تحت رحمتهم, ثم يتساءل الرجل الذي رأس اتحاد الصناعات المصرية لسنوات: لماذا لا يأتي الاستثمار الأجنبي لانشاء مصانع للأدوية أو السيارات, ولماذا يركز جهوده للاستيلاء على المرافق الكبرى كالاتصالات والكهرباء والمياه وهي المجالات المضمونة الربح؟ ورغم التعتيم الاعلامي على حديث الرجل, فإن دوائر الصناعة والمال وضعته في بؤرة اهتمامها. فالرجل (محمد فريد خميس) يتكلم برؤية واضحة وبخبرة بالسوق عالية, وقد كان حريصا على أن يكون صوته هو صوت الصانعين المصريين, وأن يكون واضحا في التفريق بينهم وبين من وصفهم بأنهم يختبئون تحت لافتة (رجال الأعمال) ويكون رأس مالهم مكتب فاخر وسكرتيرة جميلة, ويعتمدون على مبدأ (اخطف واجري) ويضعون أنفسهم في خدمة الشركات الأجنبية ويروجون للبضائع الأجنبية على حساب الصناعة الوطنية, ويلجأون في ذلك إلى كل الحيل.. من إغراق السوق إلى تهريب البضائع.. ناهيك عن نهب البنوك الوطنية والحصول على ما تيسر من أموالها والفرار بها إلى الخارج! وقد كنا نقول مثل هذا الكلام من قبل, فيقال اننا شموليون وانغلاقيون, واننا من عبدة القطاع العام رغم فشله.. وهو أمر أبعد ما يكون عن الحقيقة, فالقطاع العام لم يفشل في مصر, وقد تحمل عبء التنمية, ثم أعباء المعارك المتوالية, وتحققت من خلاله أنجح خطط التنين في الدول النامية باعتراف المنظمات الدولية, وحفظ لمصر استقرارها الاقتصادي وسلامها الاجتماعي في أصعب الظروف. ومع ذلك فلسنا هنا في مجال الحديث عن القطاع العام أو الدفاع عنه, فالقضية المثارة هنا أكبر, والذي يصرخ الآن هو القطاع الخاص قبل العام. والقطاع الخاص في مجال الصناعة تحمل الكثير في السنوات الماضية, والذي يفترض أن يعد نفسه لمنافسة قاسية مع التطبيق الكامل لاتفاقية (الجات) بعد سنوات قليلة, في الوقت الذي لا تتاح له الظروف المناسبة لهذا الاعداد.. فالشركات العملاقة تحاصره, والدول المتقدمة تسد أسواقها أمام منتجاته في الوقت الذي تقدم الدعم والحماية لمنتجاتها وتتهرب من تطبيق أحكام (الجات) بوسائل مختلفة, ثم تخترق أسواق الدول النامية بقوتها الاقتصادية الهائلة, وباستغلال كل الثغرات الممكنة للسيطرة على هذه الأسواق. ولقد كانت محاولات السيطرة هذه محورا لمعركة أخرى ما زالت مشتعلة في السوق المصرية, وبدأت مع عرض إحدى شركات الاسمنت للبيع, فإذا بالشركات الأجنبية ترفع الأسعار لدرجة مذهلة, ورغم محاولة الحكومة للحفاظ على الملكية الوطنية للشركة, والايحاء بتكوين شركة جديدة سعت لشراء الأسهم المعروضة, فإن الضغوط الأجنبية استمرت, والسعي للسيطرة على سوق الاسمنت أصبحت واضحة, وهو الأمر الذي دعا الحكومة للاعلان عن وقف بيع باقي شركات الاسمنت حتى لا يتحقق احتكارها بواسطة الأجانب, وتخرج هذه السلعة الاستراتيجية عن نطاق السيطرة الوطنية. ولم يكن كل ذلك بعيدا عن حرب السكر الذي اشتعلت منذ فترة, حيث لجأ بعض المستوردين إلى اغراق السوق بالسكر المستورد بأسعار منخفضة ومع الكثير من التلاعب في الجمارك, لتصبح السلعة المستوردة أرخص من المنتج المحلي ولتتهدد إحدى الصناعات الهامة والعريقة في مصر, ويتهدد معها مصير ملايين المزارعين في صعيد مصر الذي يمثل قصب السكر إحدى الزراعات الأساسية التي يعتمدون عليها. وقد دخلت حرب السكر هي الأخرى مجلس الشعب هذا الاسبوع حيث تم الاعلان عن ان أحد المستوردين أقام منطقة حرة خاصة له لاستيراد السكر والتهرب من الجمارك حيث ربح أكثر من ثلاثة مليارات جنيه من هذه الصفقات. واعترفت الحكومة بأن هناك تلاعبا وان الأمر قد أحيل للنيابة للتحقيق. ومن حرب السكر إلى معركة (السوبر ماركت) التي اشتعلت هذا الاسبوع وشغلت الأوساط الاقتصادية وغير الاقتصادية. حيث افتتحت إحدى الشركات العالمية أول فروعها في القاهرة وعلى مستوى عالمي حيث المنتجات من كل بقاع الأرض وعلى مستوى عال في الخدمة. ورافق ذلك بعض المناورات المعتادة حيث قامت الشركة ببيع بعض السلع بأقل من أسعار السوق كنوع من (الفرقعة) الدعائية. ويبدو ان (الفرقعة) كانت أكثر من اللازم, خاصة مع الاعلان عن ان الشركة العملاقة تنوي افتتاح ما يقرب من مئة فرع آخر, ومع الكشف عن ان الشركة اشترت معظم أسهم شركة أخرى كانت قد قامت بتأجير عدد كبير من المجمعات الاستهلاكية والاشراف على ادارتها, ومع الكشف أيضا عن ان عددا آخر من الشركات العالمية يخطط لغزو السوق المصرية بأعداد من (السوبر ماركت) العملاقة للاستفادة من هذه السوق الواسعة والواعدة. وبدأت المخاوف, وتوالت الاجتماعات, وانشغلت الساحة بقضية الـ (سوبر ماركت) .. فاقامة هذا العدد الكبير من الـ (سوبر ماركت) العملاقة مع السيطرة على المجمعات الاستهلاكية يخلق وضعا احتكاريا قد تكون له أخطار عديدة, ومئات الآلاف من صغار التجار بدأوا يدركون المخاطر التي تتهددهم. فالشركات العملاقة التي تسعى للسيطرة على سوق التجزئة تملك الامكانيات الواسعة ورؤوس الأموال الضخمة وعوامل الجذب للمستهلك, كما تملك أيضا القدرة للضغط على الموردين والمنتجين للحصول على أسعار أقل وبالتالي تقديم السلعة بأسعار أقل للمستهلك.. ولو إلى حين السيطرة على السوق. ولكن للقضية وجه آخر, وهو أين سيذهب صغار التجار وهو يغلقون المحلات التي يديرونها وينسحبون من السوق؟ وماذا سيحدث إذا استطاعت هذه الشركات احتكار الأسواق, وهل ستراعي مصلحة المستهلك ساعتها؟ ثم الأهم من ذلك وهو هل ستنحاز هذه الشركات العملاقة للانتاج الوطني, أم ستقوم باغراق الأسواق من السلع المستوردة من أجل السيطرة على السوق؟ والأمر هنا لا يتعلق باتفاقيات (الجات) وحدها, ولكنه يتعلق بتجربة مصر لسنوات طويلة قبل ثورة يوليو, حيث كان الأجانب (وخاصة اليهود) يسيطرون على السوق من خلال السيطرة على البنوك وشركات التأمين من جانب, ومنافذ التوزيع من جانب آخر. وكانت محلات (صيدناوي) و(عمر أفندي) وغيرها تتحكم في السوق التي كانت صغيرة وقتذاك بحكم ان القلة القليلة هي التي كانت تملك وتحكم, بينما باقي المصريين تتواضع قدراتهم المالية. الآن الوضع يختلف.. السوق واسعة, والاستهلاك كبير, والمكاسب هائة, والضحية هي الصناعة الوطنية إذا لم تجد اجراءات الحماية المناسبة. وهكذا أصبحت معركة الـ (سوبر ماركت) معركة واسعة. المستهلك طرف فيها لان الفئة القادرة بصوتها العالي تستفيد ولو بصورة مؤقتة. والتجار طرف فيها لانهم الطرف الذي عليه أن يواجه الغول القادم في حماية (الجات) . ورجال الصناعة طرف فيها لانهم يدركون أنهم أول الضحايا إذا سيطر الأجانب على مصادر التمويل ومنافذ التوزيع. .. والقضايا المطروحة على جانب كبير من الأهمية.. فإذا كانت (العولمة) قدرا محتوما فهل هذا هو نصيب الدول النامية منها؟ وإذا كانت الشركات متعددة الجنسية هي عنوان الاقتصاد المتقدم الآن. فهل سيكون نصيبنا منها هو قتل الصناعة الوطنية؟ وإذا كان النظام العالمي الجديد يعتمد على فتح الأسواق وفرض حرية التجارة, فهل يعني ذلك ان يكون نصيبنا هو السلبيات فقط.. ان ترفض رؤوس الأموال الأجنبية وأن تساهم في التصنيع, وتكتفي بالسيطرة على المرافق مضمونة الربح, وأن تسعى لكي تكون البنوك وشركات التأمين في قبضتها, ثم يأتي الدور على التجارة الداخلية ومنافذ التوزيع؟ وما هو مصير الأيدي العاملة التي يتم توفيرها, وهل تتحمل المجتمعات النامية التكلفة الباهظة لكل ذلك؟ إن الأيام الماضية شهدت اندماج أكبر بنكية في ألمانيا, والنتيجة.. أكبر صرح مالي في العالم, وأيضا 16 ألف موظف سينضمون إلى جيش العاطلين.. وقد يتحمل الاقتصاد الألماني ذلك, ولكن ماذا سيحدث في اقتصادات دول نامية تعانى أساسا من البطالة, وتواجه خطر انهيار صناعاتها أمام الوحش القادم من الغرب تحت عبارة العولمة, وكيف ستكون المنافسة حرة بين صناعة متقدمة تبني نفسها منذ الثورة الصناعية وفي ظل ظروف استغلت فيها ثروات الشعوب التي كانت واقعة تحت الاستعمار وثرواتها الطبيعية, وبين دول أخرى لم تأخذ الفرصة إلا متأخرة, وعندما أخذتها أخيرا تحاصرها المصالح العملاقة لاقتصاديات الغرب, لتعيد الاستعمار تحت أسماء جديدة. العولمة واقع لا فرار منه, ولكن بأية قواعد؟ وهل ستكون الخسائر كالعادة من نصيب الضعفاء حين يزداد ضعفهم وتغلق أمامهم أبواب التنمية.. أم ان قواعد اللعبة ينبغي أن تتغير؟ أغلب الظن ان ما حدث في سياتل من احتجاجات صارخة لن تكون النهاية, وان قواعد اللعبة لابد أن تتغير, وان معركة العالم النامي ستكون قاسية أمام غول الشركات العملاقة التي لا تسعى إلا إلى الربح وحده.. ولو على حساب شعوب بأكملها.