بقلم: د. حسن علي الحمادي ازداد اهتمام الباحثين في مجال السلوك التنظيمي وعلم النفس الصناعي والصحة النفسية بدراسة اتجاهات ومشاعر العاملين نحو دورهم في العمل, ويرجع هذا الاهتمام المتزايد لما لهذه العوامل من آثار (ايجابية أو سلبية) على سلوك الأفراد ومواقفهم تجاه وظائفهم ومنشآتهم. فهدف أى مؤسسة هو العمل على زيادة الانتاج مع رفع جودته في أقصر وقت ممكن وبأقل مجهود يبذله الإنسان مع زيادة الرضا المهني, ومن أجل هذه الأهداف حاول العديد من الباحثين اكتشاف العلاقة المثلى بين الإنسان والبيئة المحيطة به. وعلى الصعيد التربوي, يواجه معظم المعلمين منذ بداية القرن العشرين حتى يومنا هذا أنواعا متعددة من الضغوط أثناء التدريس, جعلتهم يتفاءلون تارة ويتشاءمون أخرى. وتهدف هذه الدراسة إلى معرفة ما إذا كان هناك ارتباط جوهري بين التفاؤل - والتشاؤم والأداء الوظيفي للمعلم؟ وهل هناك ارتباط جوهري بين العمر والمتغيرات الاجتماعية وغيرها؟ وهل هناك فرق بين الحاصلين على الشهادات الجامعية والدبلوم والثانوية في نسبة التفاؤل أو التشاؤم وانعكاسهما على الأداء الوظيفي للمعلم؟ ثم توضيح مصادر ضغط الدور في العمل (الحقل المدرسي وغيره) من الجنسين, والكشف عن مشاعر المعلمين من الجنسين نحو أدوارهم في العمل. متغيرات مؤثرة فما المقصود بالتفاؤل؟ وما المقصود بالتشاؤم؟ التفاؤل: (هو نظرة استبشارية نحو المستقبل, تجعل الفرد يتوقع الأفضل, وينتظر حدوث الخير, ويرنو إلى النجاح, ويستبعد ما خلا ذلك) . أما التشاؤم فهو (توقع سلبي للأحداث المقبلة, يجعل الفرد ينتظر حدوث الأسوأ, ويتوقع الشر والفشل وخيبة الأمل, ويستبعد ما خلا ذلك إلى حد بعيد) . إن واحدا من أهم الاختلافات الأساسية بين المتفائلين والمتشائمين هو أسلوب تفسير الأحداث السارة والسيئة, وانعكاساتها على الأداء الوظيفي للفرد, فالفرد داخل بيئة عمله, ما هو إلا محصلة شبكة معقدة من المتغيرات التي أمن معرفة بعضها, وما زالت البحوث الحديثة تواصل اكتشاف بعضها الآخر. فالمعلم أحد تلك المتغيرات التي ما زالت الدراسات والبحوث والندوات تواصل اكتشاف عزوفه عن مهنة التدريس والتهرب منها بعدة طرق وحجج في وقتنا الحالي. ومن المعلوم ان الأداء الوظيفي للمعلم تؤثر به جملة من المتغيرات منذ بداية التعليم في دولتنا منها: قدرات المعلم واستعداداته, وميوله, ودافعيته, ورضاؤه الوظيفي والمناخ التنظيمي العام للمدرسة, وأسلوب القيادة المتبع, والعلاقات الإنسانية بين المعلمين والمتعلمين والمحيطين به داخل المدرسة, ودرجة الدعم الاجتماعي والفني الذي يحظى به المعلمون من المسئولين في وزارة التربية والمناطق التعليمية, ومستوى قدرات وتجارب الموجهين وأفراد فرق العمل, ومدى مناسبة اللوائح والقوانين التابعة لوزارة التربية والتعليم. وبالاضافة إلى ذلك يسود اعتقاد بأن (التفاؤل) له علاقة أيضا بالأداء الوظيفي للمعلم, وهو أمر له أهميته في الواقع التدريسي التنظيمي من حيث ان جملة الفعاليات والأنشطة والوسائل والتقويم من جانب المعلم هدفها الرئيسي الارتقاء بالعملية التربوية التعليمية عامة والمدرسية خاصة. ونظرا لعدم توفر دراسة تنير لنا الطريق حول ربط مفهوم التفاؤل - والتشاؤم بالأداء الوظيفي للمعلم, تحاول هذه الدراسة سدّ الثغرة الموجودة في العملية التربوية التعليمية (الميدان التعليمي) واستكشاف أسباب عدم جدية تعامل المعلمين أحيانا في عطائهم نحو أدائهم الوظيفي نتيجة اعتبارات كثيرة منها التفاؤل - التشاؤم. ويلاحظ من ناحية أخرى, أن المجال الأكاديمي للمعلمين في هذا المجال لم يأخذ نصيبه كحظ مجال (المجاملة الأكاديمية) من بعض المعلمين, ومن خلال بعض المصادر التي توافرت لدينا بهذا الخصوص, وجدت أن أصحاب المجاملة الأكاديمية من المعلمين يتوافقون بصورة أفضل مع الحياة المدرسية وعلاقاتهم مع المسئولين في الوزارة والمناطق التعليمية مقارنة بالمعلمين أصحاب الشهادات العليا الأكاديمية. من ناحية أخرى فقد أظهرت بعض المعلومات ان الطلاب على مختلف مراحلهم الدراسية هم الأكثر تشاؤما حينما يتلقون المادة الدراسية من المعلمين أصحاب المجاملة الأكاديمية, كما يبدو أداء هؤلاء الطلاب أقل من أداء أقرانهم المتفائلين من الطلبة في اختبار (امتحان) التحصيل الدراسي. مصدر الضبط ويرتبط مفهوم التفاؤل - التشاؤم بشكل عام بمفهوم (مصدر الضبط Locucof control) ويقصد به مدى شعور الفرد بقدرته على التأثير في الأحداث التي تعنيه, فمثلا المعلمون الذين لديهم (مصدر ضبط خارجي) يعتقدون ان ما ينالهم من أحداث سارة وسيئة أثناء قيامهم بدورهم في العملية التعليمية التربوية بشكل عام وفي الميدان المدرسي بشكل خاص مرده إلى عوامل خارجية مثل (الحظ, العشوائية في العمل, مساعدة الآخرين أو عدوانيتهم). أما المعلمون الذين لديهم (مصدر ضبط داخلي) فيعزون تلك الأحداث إلى عوامل خاصة بذواتهم مخطط لها في الميدان المدرسي مثل (قدراتهم الابداعية, تحسين المعلومات, شخصيتهم). وهناك المعلمون الذين تعلموا العجز Learned Helplessness نتيجة تكرار وقوع أحداث سيئة داخلية وخارجية في حياتهم المدرسية لم يستطيعوا تجنبها, فعلى سبيل المثال لا الحصر تزداد الأحداث الداخلية مثل التفاعل الصفي, نوعية الاسئلة المطروحة من قبل المعلم للطلاب, توجيه سلوك الطلاب.. الخ. اما الاحداث الخارجية مثل العزوف عن الكلام بالنسبة للموجه المسئول, والعلاقة مع مدير المدرسة, والعلاقات الانسانية مع زملائه المعلمين.. كل هذه الاحداث جعلت المعلمين يتفاءلون تارة ويتشاءمون تارة اخرى. ولقد بينت تجربة قامت بها احدى المناطق التعليمية في الدولة, ان العجز الذي ينتاب المعلمين اثناء سير العام الدراسي يمثل ثلثي المعلمين في بعض المدارس نتيجة استسلامهم للظروف العصبية التي يمرون بها اثناء التدريس, بسبب عوامل داخلية وخارجية ايضا. في حين ان الثلث الآخر من المعلمين يرفض الاستسلام, ويستمر في محاولات الخروج من مأزق تلك العوامل. وعندما نحلل الاختلاف بين هاتين المجموعتين, فان المؤشرات العامة تشير الى قضية التفاؤل والتشاؤم, اذ ان الثلث الثالث من المعلمين استمروا في محاولاتهم وكانوا اكثر تفاؤلا من الثلثين الاولين, وتعاملوا بروح متفائلة مع الرغبة في التدريس, وكانوا اتجاه المهام الاخرى اكثر تفاؤلا ايضا. كما يقودنا هذا التحليل الى تفسير الوقائع التي تحدث للمعلمين على المستوى البعيد وخاصة الذين يظلون في منازلهم بعد التقاعد ويتلقون رعاية من قبل الاسرة والابناء, حيث اشارت بعض الدراسات ان 93% منهم يبذلون جهدا في التأثير على البيئة المحيطة بهم وشرح ما دار لهم من احداث! التفاؤل غير الواقعي بالرغم من الصورة الايجابية العامة التي يحظى بها المعلمون المتفائلون, الا ان بعض الباحثين اطلقوا اشارات تحذير تجاه ما أسموه (بالتفاؤل غير الواقعي) Unrealistic Optimism وهو تفاؤل لا يبرره منطق او خبرة سابقة, ومن الممكن ان يعمي صاحبه عن رؤية المخاطر المحتملة حين يندفع اصحاب هذا التوجه الى التصرف دون الرجوع الى مدرائهم في المدارس او مسئوليهم في المناطق التعليمية, حيث يؤدي تجاهل المسئولين الى خلق مشاكل من جميع الانواع منها الصحية والنفسية والثقافية, والتي يمكن ان يمروا بها بسبب تفاؤلهم الزائد او غير المبرر, حيث يندفعون املين بمستقبل مهني افضل قبل ان يصدمهم الواقع, مما قد يستعصي بعدها العلاج من بعض الامراض الناجمة عن هذه الحالة والتي تحتاج الى علاج مبكر, او قد يندفعون الى التركيز على معلومات سابقة ونبغوا بها من قبل بعيدا عن الواقع او تؤدي بهم الامور الى توهم القدرة على اداء بعض المهام والحركات الخطرة, او الاغراق في احلام الترقيات السريعة مما يؤدي الى تراكم الهموم وغير ذلك! فالتفاؤل غير الواقعي من الممكن ان يقود الى تحيز التفكير, مما قد يؤدي الى قرارات متحيزة لا تستند الى اسس واقعية. وربما يؤدي ذلك بمعظم المعلمين من هذا الصنف على المدى البعيد الى الاعتقاد بأنهم اقل احتمالا تجاه تحمل مسئوليهم ـ مقارنة بالاخرين من المعلمين, ثم يتدرج الامر ويصل بهم الى التعرض لمرض عضال, او حادث مأساوي, او للانفصال الاسري, او التعرض بالنسبة للاناث ـ للحمل غير المرغوب فيه, وهذا النوع من التفاؤل يجعل المعلمين (من الجنسين) ايضا اقل حرصا على اتخاذ الاحتياطات اللازمة امام مفاجأة المسئولين لهم من جهة والامراض من جهة اخرى. كما ان التفاؤل غير الواقعي يجعل المعلم يعتقد بأن هناك احتمالا عاليا يسود في اعتقاده طول السنة الدراسية, مثل الترقيات التي تأتي له دون غيره او اناطة بعض الاعمال به دون غيره كل هذه التفاؤلات يقارنها بالآخرين ـ بأنه يواجه احداثا سارة في المستقبل, الا ان الواقع يختلف عن التفاؤل غير الواقعي. والمعلومات المرتجعة التي يحصل عليها المعلمون بشكل منظم والخاصة بأدائهم الاكاديمي, والخبرة المتراكمة في أداء مهمتهم طول السنة الدراسية, من الممكن ان تسهم في تعديل درجة تفاؤلهم لتصل الى مستويات أكثر واقعية. لذا يرى بعض الباحثين, ان التشاؤم غير الواقعي, وهو تشاؤم لا يستند ايضا لخبرة سيئة سابقة, يمكن ان يرفع من مستوى قلق صاحبه الى مستويات معقولة كافية لبذل المزيد من الجهد لمواجهة المهام الدراسية والاحداث البيئية المحيطة به من أجل النهوض بها. فالنجاح مثلما يحتاج الى تفاؤل يرفع من مستوى أمل المعلمين في تحقيق اهدافهم فهو أيضا في حاجة الى نظرة موضوعية, ترفع من مستوى قلق المعلمين لبذل مزيد من الجهد والعطاء تكفي للتغلب على احباطاتهم في المواقف التعليمية الصعبة داخل الفصل وخارجه.