لا شك ان البيان الختامي للدورة 113 لمجلس وزراء الخارجية العرب التي انعقدت مؤخرا في بيروت, قد حمل لغة مختلفة وطال أمد البعد عنها في المعالجات العربية لقضايا الصراع العربي - الصهيوني. وقد استفزت هذه اللغة وزير خارجية العدو إلا انها بدت في المقابل حاجة عربية عامة وضرورية ليس فقط للتضامن مع لبنان وإنما لحماية ما تبقى من كرامة العرب وحياتهم ومصالحهم, وهي بالتالي تشكل خطوة في الاتجاه الصحيح إذا ما تحولت الأقوال إلى أفعال. فقبيل هذا المؤتمر كانت مكانة العرب قد وصلت إلى الحضيض بسبب ممارسات العدو الصهيوني والقوى الدولية المؤثرة, كما بدى ان الصبر الشعبي العربي قد نضب وان المنطقة مقبلة على تطورات لا يمكن رصدها وتوقعها. فإسرائيل من ناحيتها استمرأت اللعب على مسارات التسوية لتوظف ما تسميه (عملية السلام) باتجاه فرض الحل الإسرائيلي الهادف إلى تقنين التوسع والهيمنة وشرعنته في اتفاقيات, وإلا فالسعي لهدر الزمن العربي حتى تتمكن إسرائيل من ابتلاع الأراضي المحتلة والتحول إلى قوة اقليمية كبرى متحكمة بالمنطقة, مع استمتاعها بالضرب حيث تشاء في الجسد العربي, ومع اطلاق أبشع التعابير النازية في وجه المقاومة اللبنانية التي بدت الشمعة الوحيدة في الليل العربي الطويل والقاسي. وبسبب ضعف ردود فعل الجسد العربي تجاه العدوانية الصهيونية, أخذت الولايات المتحدة تسفر علنا عن تطابق مرعب مع إسرائيل في ازدراء المصالح العربية, وسلكت السلوك نفسه معظم العواصم العالمية, وبدا نموذج (ليونيل جوسبان) الذي يدين الضحية ويمجد الجلاد نموذجا مكررا وسمجا في التعامل مع العرب. ولوهلة بدا وكأن الكرة بدأت تتحرك من المواقع الرسمية إلى الحضن الشعبي, فانتفض الشعب العربي في لبنان رافضا نازية الصهيونية واصرارها على تدمير الحياة على أرضه أمام اخفاقها في مواجهة المقاومة, واستجاب لصدى نداء لبنان إخوته طلبة جامعات مصر العربية وشباب مدن الشام ومعظم الرأي العام العربي. ثم سرعان ما انتزعت الزعامات العربية زمام المبادرة في تحرك متواصل باتجاه بيروت, وكان مؤتمر وزراء الخارجية التعبير الأوضح عن موقف عربي رسمي إيجابي شامل لم يظهر طوال التسعينات إلا في قمة القاهرة (يونيو 1996) والمؤتمر الأخير, وهذا ما يفسر انزعاج إسرائيل من قرارات مؤتمر بيروت التي وصفها وزير الخارجية النازي ديفيد ليفي بأنها تعبير عن (خط متطرف) . وإذا كان البيان قد أعاد التمسك بالحد الأدنى من الثوابت والكرامة العربية, فإن إيقاف التطبيع والمفاوضات متعددة الجنسية والدعم المادي للبنان مما نص عليه المؤتمر, تشكل جميعها الحدّ الأدنى العملي لاقناع اسرائيل ومن وراءها بأن العرب جادون وقادرون على خلخلة كل المعادلة الجائرة إذا أصرّ التحالف المعادي على ازدرائهم واغتصاب حقوقهم وحقهم في الحياة, وهذا الحدّ الأدنى هو ما ينتظره الشعب العربي الذي سئم مناورات إسرائيل وخداعها تحت أعلام (عملية سلام) زائفة.