الصراع الديني في الانتخابات الأمريكية

بقلم: جيمس زغبي رئيس المعهد الأمريكي العربي في خضم حملة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون لاعادة انتخابه رئيسا للولايات المتحدة عام 1996, اجرت محطة أيه. بي. سي. التلفزيونية ضمن برنامجها الجماهيري (صباح الخير يا أمريكا) لقاءً مع والدتي, التي كان عمرها حينذاك 89 عاما, حول دعمها لاعادة انتخاب كلينتون, وكانت استطلاعات الرأي تشير إلى ان الكاثوليك كانوا يناصرون كلينتون, على الرغم من دعمه الواضح لحق الاجهاض. وهكذا, قدم معد البرنامج مع مصوريه إلى والدتي باعتبارها (مواطنة كاثوليكية نموذجية ومتقدمة في السن) ليسألها عن السبب في استمرارها بمناصرة كلينتون مع انها تعارض الاجهاض, وكان ردها على السؤال يشتمل على جزأىن: أولا: اشارت إلى ان معارضتها للاجهاض هي معارضة حقيقية وقوية وجزء لا يتجزأ من عقيدتها الدينية, لكنها أضافت بأن دينها أمر يخصها هي ولا تريد من الرئيس ان يأخذ برأيها, كما قالت ان مهمة الرئيس هي ان يهتم بشئون من هم في حاجة للاهتمام بهم, مثل كبار السن والفقراء والمشردين والعاطلين عن العمل وفي هذا الميدان أحست بأن كلينتون يقوم بعمله على أحسن وجه, لهذا وعلى الرغم من خيبة أملها نتيجة لدعمه الاجهاض, فإنها أكدت أنها ستصوت للديمقراطيين عام 1996. اذكر هذه الحادثة لأني أراها مهمة لعدة أسباب, أولا: توضح طبيعة الحياة السياسية الأمريكية, فالغاضبون ليست لديهم خيارات كاملة وبالتالي فإنهم يعتمدون في قراراتهم على مجموعة من القضايا تساعدهم في تحديد مرشحيهم الأقرب لقيمهم ومصالحهم, ثانيا: السياسات الأمريكية هي سياسات المجموعات, أي ان المجموعات تتجمع حول مصالحها, فيما يحاول السياسيون والأحزاب السياسية ايجاد السبل لجذب هذه المجموعات ذات الملامح الواضحة وكسب تأييدها. أما السبب الأخير, فهو ان الدين والمجموعات الدينية يبدو الآن انها أصبحت, مع وجود استثناءات محدودة, نقطة محورية هذا العام, بعد ان كانت في المرتبة الثانية خلال الانتخابات الأمريكية الأقرب, أي عام 1996. في هذا العام, سيقدم كلا الحزبين على بذل جهود مكثفة لكسب تأييد الناخبين الكاثوليك تحديدا, والسبب واضح, فالكاثوليك يشكلون قطاعا كبيرا من الناخبين في العديد من الولايات الرئيسية, وستكون أصواتهم أمرا حاسما لكسب الانتخابات, وقد أظهرت دراسة تم انجازها عام 1996 ان الكاثوليك قد أصبحوا مجموعة انتخابية رئيسية في الانتخابات الأمريكية منذ عام 1960. وفي ذلك العام أصبح جون كينيدي الكاثوليكي الأول والوحيد حتى الآن الذي يفوز في الانتخابات الرئاسية الأمريكية, كما أظهرت الدراسة أيضا ان الناخبين الكاثوليك وخلال الانتخابات الرئاسية التسعة التي جرت منذ عام 1960 قد انتقلوا بحدة من الديمقراطيين إلى الجمهوريين مما أعطى مرشحيهم هامشا للفوز في كل حالة. يبلغ عدد الأمريكيين الكاثوليك حاليا 62 مليونا, أي مما يشكل 23 في المائة من سكان الولايات المتحدة, ومن بين هؤلاء هناك 29 مليوناً يحق لهم التصويت, أي اكثر من ربع أعداد الناخبين الأمريكيين, والأهم من ذلك هو ان الكاثوليك وهم الذين ينحدرون بشكل رئيسي من أصول ايرلندية وايطالية واسبانية وبولندية, يتركزون في عدة ولايات تعتبر محورية, لمن أراد كسب الانتخابات الوطنية. وعلينا ان نتذكر ان الانتخابات الرئاسية لا يتم كسبها عبر الفوز بانتخاب شامل على مستوى الدولة بأكملها, بل بعد الفوز بما يسمى الأصوات الانتخابية في كل ولاية اذ يخصص لكل ولاية من الولايات الخمسين عدد من الأصوات الانتخابية يعادل عدد الأعضاء الذين يمثلونها في الكونجرس (وهو ما يحدده تعداد سكان كل ولاية في الوقت الراهن, حيث يمثل كل عضو في الكونجرس 540 ألف نسمة) اضافة لعضويها في مجلس الشيوخ, وبالتالي فإن الانتخابات الرئاسية هي في الحقيقة 50 عملية انتخابية بمعدل عملية انتخابية لكل ولاية. وحتى يتمكن المرشح من الفوز عليه ان يفوز بأكثر من نصف الأصوات الانتخابية وهي 535 صوتا (435 عضوا في الكونجرس و 100 سيناتور في مجلس الشيوخ), أي 273 صوتا انتخابيا. ويعتبر الكاثوليك مجموعة انتخابية مهيمنة في 10 من الولايات الشرقية والوسطى والغربية, اضافة لكونهم مجموعة ذات أهمية كبيرة في ولايات كاليفورنيا وتكساس وفلوريدا, وهذه الولايات الثلاث عشرة مجتمعة لديها 280 صوتا انتخابيا, ومن هنا تكمن أهمية الدور الذي يلعبه الناخبون الكاثوليك. وهذا العام أثيرت مسألة الكاثوليك في مناسبتين منفصلتين, الأولى كانت نتيجة محاولات السيناتور الجمهوري جون ماكين لاستغلال عواطف الناخبين الكاثوليك باتهامه لليمين الديني البروتستانتي المناهض للكاثوليك بدعمه جورج بوش, وأشار ماكين أيضا إلى ان بوش قد ألقى خطابا في مناسبة عامة في جامعة بوب جونز, التي كان مؤسسها قد قال ان الكاثوليكية هي (عقيدة عنصرية) ووصف الكاثوليكية بأنها (خداع ديني) وقام منظمو حملة ماكين الانتخابية باجراء آلاف من المكالمات الهاتفية للاتصال بالناخبين الكاثوليك ليقولوا لهم بأن المتزمتين من أعداد الكاثوليك يدعمون جورج بوش. وقد فاز ماكين فعلا بأغلبية أصوات الكاثوليك في عدة ولايات, لكن أقواله الفجة أقلقت بعض الكاثوليك وأوجدت ردة فعل معاكسة بين بعض الناخبين البروتستانت, أسرع جورج بوش والذي لديه أخ كاثوليكي هو جيب بوش حاكم فلوريدا, بنفي هذه التهمة عنه, ففي رسالة وجهها إلى رجال الدين الكاثوليك, شرح بوش مواقفه الدينية الخاصة, موضحا انه ليس من مناهضي الكاثوليكية, وفي نهاية المطاف شعر الكثيرون بأن بوش قادر على تجاوز هذه المسألة. لكن ذلك لا ينفي ان اليمين الديني ومواقفه التي يتخذها من الكاثوليك سيظل, على الأغلب, قضية يستغلها البعض في انتخابات نوفمبر. أما المناسبة الأخرى التي يشير إليها الديمقراطيون على انها دليل على عدم اهتمام الجمهوريين بمصالح الكاثوليك فهي اختيار القيادة الجمهورية في الكونجرس البروتستانتي ليكون القس الجديد لمجلس النواب. ويتهم الديمقراطيون الجمهوريين بأنهم تخطوا قسا كاثوليكيا, على الرغم من حصوله على غالبية الأصوات من قبل لجنة الاختيار, كما قالوا ان المرشح الكاثوليكي تعرض لبعض التعليقات غير اللبقة. ويذكر ان الكونجرس الأمريكي لم يتخذ من قبل أبدا قسا كاثوليكيا. وفي سياق الرد على ذلك مضى أعضاء الكونجرس من كلا الحزبين يتخذون اجراءات استعراضية خطبا للود الكاثوليكي, ففي خطوة وصفها البعض بأنها تهدف للتملص من هذه الانتقادات, سمح الجمهوريون بتمرير قرار منح وسام لرجل الدين الكاثوليكي جون أوكونور. كما اصدر الجمهوريون أيضا قرارا بتكريم مدارس كاثوليكية. أما الديمقراطيون فردوا على ذلك باقتراح مشروع قانون (لإدانة الممارسات العنصرية لجامعة بوب جونز) , كما أدانوا علنا قرار رفض تعيين القس الكاثوليكي في الكونجرس باعتباره (اهانة للكنيسة الكاثوليكية) . في السابق, كانت الرسائل السياسية التي يوجهها السياسيون الأمريكيون للمجموعات الدينية المختلفة ألطف وأقل قوة وتعتمد في مضمونها على القيم, وربما كانت هذه هي الانتخابات الأولى, منذ انتخاب كينيدي عام 1960 التي يكون فيها الخطاب السياسي مباشرا, كان العديد من القادة البروتستانت عام 1960 يحذرون من ان أي كاثوليكي يغدو رئيسا للبلاد لن يكون مخلصا في ولائه لأمريكا, ولذلك رد الكاثوليك باعطاء 80 في المائة من أصواتهم لكينيدي. وفي هذا العام بدأ كلا الحزبين برنامجه الاعلامي وافتتح مكاتبه الموجهة مباشرة للوصول إلى الناخب الكاثوليكي, وحتى في هذه المرحلة التي تعتبر مبكرة في الانتخابات الرئاسية لا يدخر أي منهما جهدا في مسعاه هذا. الجمهوريون على الأغلب سيثيرون قضية الاجهاض ومسألة اختيار المدارس (باعتبار ان الكثيرين من الكاثوليك يرسلون أبناءهم إلى مدارس كاثوليكية خاصة) وكان الديمقراطيون عام 1996 قد وضعوا قائمة بعشرين قضية قالوا ان الكنيسة الكاثوليكية تدعمهم فيها, وان وجهات نظرهم كانت تتطابق معها بشأن بعضها مثل عقوبة الاعدام والاصلاحات بشأن الرخاء الاجتماعي, وانهما لا يتعارضان إلا في قضية الاجهاض. غير انه في نهاية المطاف لا يعد الفوز بأصوات الكاثوليك مهمة سهلة, إذ ليست هناك قضية واحدة تشكل محورا لجذب هؤلاء نحوها, كما انه لا توجد أيضا كتلة انتخابية كاثوليكية واحدة. لكن هناك بعض الحساسيات والاهتمامات الكاثوليكية, وكما رأينا في الانتخابات السابقة فإنهم يمكن ان ينتقلوا من جانب حزب لدعم حزب آخر, ولا يزال علينا الانتظار لرؤية من سيفوز في الصراع هذا العام, وما يهمنا في هذا الموضوع أكثر من أي شيء, هو ان هذه الحرب قد برزت كمجال للسجال.

تعليقات

تعليقات