بقلم محمد خالد الأزعر أحد الافتراضات المتداولة بشأن مستقبل اللاجئين الفلسطينيين, انه سيتبقى من هؤلاء كم معتبر خارج فلسطين, مهما كانت ماهية التسوية الخاصة بقضيتهم. يقوم هذا الافتراض على ان هناك اسبابا ستجبر هذا الكم على عدم الأخذ العاجل بحق العودة, طوعا أو كرها. ولذلك سيتعين التفكير فيما كان ينبغي التفكير فيه منذ وقت مبكر, وهو كيف ستتم عملية تنظيم علاقة غير العائدين بفلسطين المقبلة, قانونيا وإداريا واقتصاديا وسياسيا...؟ وبالنسبة للبعض, فإن هذه القضية تُذكر بمشكلة العلاقة بين الكيان الصهيوني ويهود (الشتات) . وبناء على هذا الزعم أقيمت المشابهات واحتمالات محاكاة مضمون العلاقة التواصلية بين اسرائيل وهذه الجماعات اليهودية. وقبل ان نُلقي ضوءا على هنات هذه النظرية وتجاوزاتها, تجدر الاشارة باقتضاب الى النموذج الصهيوني الاسرائيلي في هذا السياق. فاليهود الذين يعيشون في اسرائيل يشكلون الثلث من يهود العالم الذين تدعي اسرائيل الحق في تمثيلهم جميعا, وترى من حقها مد سيادتها اليهم خارج نطاقها الاقليمي. وفي طليعة هذه الاطر كان قانونا العودة والجنسية, اللذان يعطيان لأي يهودي ـ بالتعريف الديني ـ حق المجيء لاسرائيل بصفته عائدا للاستيطان فيها, وحق جنسيتها وذلك وقتما يشاء. كما: فرضت اسرائيل نوعا من الهيمنة او الحماية على كل اليهود, وسمحت بازدواج الجنسية, ولم تشترط على المستوطنين التخلي عن جنسياتهم, واستخدمت الوكالة اليهودية وفروعها لربط الجاليات اليهودية بها. وقامت بتجديد علاقة الوكالة بها من منطلق التبعية والتكامل وتوزيع الادوار, مع وجود لجنة تنسيق, والواقع ان هذه التوليفة اثبتت نجاحا في تحقيق اهدافها. ويبدو ان هذا النجاح هو الذي يستحث البعض للاقتداء بها في الحالة الفلسطينية, بيد أن الامر ليس بالبساطة التي يتصورها هؤلاء, حتى لو حسنت نواياهم, فهناك مشكلات حقيقية ستظهر في هذه الحالة. فمن ناحية, تمخض عن النموذج الصهيوني وتوليفته العجيبة ما يعرف بقضية (الولاء المزدوج) للدولة الام ولاسرائيل, فاليهود في الدول التي ينتشرون فيها اصبحوا الى حد كبير موضع نظر على صعيد الانحيازات والمواقف, وقد تبقى هذه القضية في حالة كمون في فترات ازدهار العلاقات بين دول الاقليات اليهودية واسرائيل. لكن من يمنع التربص بهذه الاقليات من جانب الاغلبيات ان طرأت عوارض سلبية على هذه العلاقات؟ فلنتأمل مثلاِ أوضاع يهود ايران في عهد الشاه السابق مقارنة بأوضاعهم بعد الثورة الاسلامية, أليس الزعم الاسرائيلي بتمثيل اليهود عالمياً أحد العوامل المحرجة حالياً لهذه الشريحة؟ ثم ألا يحتمل عموماً أن يكون هذا الزعم دافعاً للحذر من الاقليات اليهودية في كل مكان باعتبارهم جماعة مرشحة للعمالة لاسرائيل والاضرار بأوطانهم الأم في لحظات بعينها؟ ان قضية (جوناثان بولارد) ليست بعيدة عن هذا التقدير. ومن ناحية ثانية, فان يهود العالم مواطنون أقحاح في بلادهم, يتمتعون بكامل حقوق المواطنة, ويخضغون على كل الصعد لما تخضع له الاغلبيات من مواطنيهم في تلك البلاد. وهنا لايصح القياس على حالة الفلسطينيين الذين هم في حالة (لجوء) يعرفها القانون الدولي ويضع المعايير لها والحلول. يترتب على ذلك من ناحية ثالثة, ان يهود العالم هم في التحليلين الأول والاخير ليسوا في حالة شتات الا بالمعنى الديني. أي انهم فقط أتباع ديانة واحدة يعيشون كمواطنين في أماكن مختلفة. وهذا وضع لا تتأتى منه فكرة الشتات بمعناها الحقيقي. اللهم الا اذا اعتبرنا ان مسلمي العالم في شتات ومسيحيي العالم ايضاً!! الصهيونية وحدها أعطت هذا المفهوم الطبيعي للانتشار مضامين قانونية وسياسية. كذلك فان الفلسطينيين ـ خارج فلسطين ـ ليسوا في حالة شتات, وانما هم (لاجئون) , بكل ما يحمله هذا المفهوم من معان, قانونية وسياسية. ان الفلسطينيين اللاجئين منهم والمقيمين في الداخل شعب معترف له بحق تقرير المصير, اما يهود العالم فأمرهم مختلف اذ ان كل جالية منهم مقرر مصيرها فعلا والان في بلادهم التي يعيشون في رحابها. بصيغة اخرى نحن بصدد شعب فلسطيني مشتت قهرا, يخضع للشرعية الدولية والقوانين والقرارات الخاصة باللجوء واللاجئين وجماعات يهودية ليست كذلك بالمرة, ويكاد من يوازي بين الحالتين او يسعى لاجتراع المحاكاة بينهما بدون اخذ هذه الملاحظة بعين الاعتبار الشديد, يكاد ان يقترب من المفهوم الصهيوني لعلاقة اسرائيل بيهود العالم ويصدق عليه. اهم من ذلك من ناحية رابعة ان الحركة الصهيونية هي في كل الاحوال من طبيعة استعمارية استيطانية وتبقى الحلول والنماذج التي تتقيد بها للتعامل مع قضاياها الداخلية والخارجية مشتقة من هذه الطبيعة وموصولة بها وشتان مابين منطق الاستعمار ومداخله ومنطق التحرير ووسائله وقد نذهب الى ان البحث عن آليات لوصل الشعب الفلسطيني في الملاجىء بوطنه هدف نبيل, طالما حاور هذا البحث في دائرة عدم التخلي عن منطق التحرير ومتابعة استرداد الحقوق. اما ان ينجر البعض الى محاكاة الصهيونية في هذا الجانب, فقد ينتهي بهم الامر الى ايجاد مخرج ذاتي لمشكلة هي اساس الصراع مع اسرائيل. قبل ذلك كله وبعده, قد نلاحظ من خلال مؤشرات محددة ان المفهوم الصهيوني للتعامل مع ما يدعى بالشتات اليهودي ليس من التقاليد المسلم بها حتى من اكثر انصار الصهيونية غلوا .. فالولايات المتحدة مازالت تحبس (بولارد) المومأ اليه, لكونه تجسس لصالح اسرائيل, وبصفته مواطنا امريكيا قبل اي شيء, كذلك فان يهود العالم ليس لهم, ولا ينبغي لهم ايضا, ان يشاركوا مباشرة في المؤسسات السياسية الاسرائيلية وبالطبع فان خصوم الصهيونية والعارفين بسخافة ادعاءاتها يتخذون من زعمها تمثيل كل يهود الدنيا مجالا للسخرية والاستهزاء ولايعبأون به. ليس عيبا ان يجنح نفر من المخلصين لقضية وطنية ما الى الاستفادة من كل التجارب المطروحة, بما فيها تجارب العدو .. العيب هو عدم التدبر المعمق وبأناة في الفوارق وتداعياتها بين نوازعهم ونوازع الآخرين, ومحمولات كل تجربة بذاتها.