بقلم عبدالله الحوراني في مدرسة ما, في قرية ما, في بلد ما من هذا الوطن الكبير. قرر المدرس ان يختبر معلومات تلاميذه الصغار عن وطنهم العربي, ودوله أو دويلاته, ممالكه أو اماراته, التي بلغ عددها اثنتين وعشرين دولة, وهي مرشحة للتكاثر. فالتكاثر في وطننا لا يقتصر على السكان, وهو امر نتفوق فيه باعتبارنا امة ولودا. فالفقر يتوالد فينا كما يتوالد الغنى, والجوع كما التخمة, والجهل كما العلم. كل ما فينا يتوالد ويتكاثر, إلا الأرض فهي تتناقص بفعل الاحتلال الاسرائيلي, واطماع الغزاة الاستعماريين, وقواعدهم العسكرية. استقبل التلاميذ معلمهم بالوقوف احتراما له كالمعتاد, وبعد ان القى عليهم تحية الصباح واذن لهم بالجلوس, اتجه إلى اللوح الاسود, وخط بحروف كبيرة واضحة كلمتي الوطن العربي, والتفت الى تلاميذه مباغتا اياهم بسؤاله الأول, دون ان يعطيهم فرصة التساؤل لماذا غير المدرس موضوعه. ـ ما هي أكبر دولة عربية؟ ـ أجاب من وقع عليه الاختيار.. جنوب لبنان. ابتسم المدرس, وتوقع ان يشاركه الجميع الابتسام أو الضحك لكنه لم يلحظ شيئا من ذلك. فأوقف ابتسامته دون ان يوقف دهشته ورد على الفتى: لكنه ليس دولة. فأجاب الفتى.. لأنه لم يصبح دولة, ولا يشغله التفكير فيها. ـ إنه محتل وليس حراً. ـ يكفي ان ارادته حرة ولا يحتلها أحد. ـ ومساحته صغيرة. ـ إنها تمتد من المحيط إلى الخليج, وتزيد على سبعة ملايين كم2. ـ وعدد سكانه قليل. ـ إنهم يزيدون على مائتين وخمسين مليونا. ـ لكن كتاب الجغرافيا يقول غير ذلك! ـ لم اقرأه. ـ لماذا؟ ـ لأننا لم نكتبه, فقد كتبه ورسم خرائطه غيرنا. ـ كتب التاريخ أيضا لا توافق على ما تقول. ـ أي تاريخ؟ ـ التاريخ المعاصر. ـ ليس تاريخنا. ـ كيف؟ ـ لم نصنعه. كانت الدهشة قد فارقت أسارير المدرس تماماً, وحل محلها نوع من الاعجاب, حين ادرك ان الفتى لا يهزل, ورأى تلاميذه يراقبون مشهد الحوار بعيون لاتنم عن الاستغراب, وإنما توحي بالتشجيع لزميلهم والانتصار له. فقرر أن ينتقل بأسئلته إلي غيره, يتنازعه الأمل في ان يسمع ما يعزز ثقته بالمستقبل, والخوف من ان يكون وعي التلميذ الأول استثنائىا. وأختار أحد التلاميذ, لا على التعيين, وسأله: ـ ما أقوى جيش عربي؟ أجاب الفتى الآخر: المقاومة الوطنية اللبنانية. ـ ولكنها ليست جيشاً. ـ لكنها تقاتل, وتؤدي دور الجيش الذي غاب. ـ وهي لا تملك دبابات ولا طائرات. ـ تملك ما هو أقوى. ارادة القتال وروحه. ـ ليست منظمة. ـ يكفيها أنها تعرف عدوها وعدونا, وتتجه إليه. ـ ولا مدربة. ـ لكنها تحسن القتال, وضرباتها موجعة. عندها ضجت حناجر الطلاب بصوت هادر منشدة: والله زمان يا سلاحي.. اشتقت لك في كفاحي. كانت شفتا المدرس تتمتم بالنشيد, لكنه كابر. وبمجرد أن انتهى النشيد واصل اسئلته قائلا: ـ كم عدد الدول العربية؟ ـ أجاب فتى ثالث: واحدة. ـ قال المدرس: لكنها اثنتان وعشرون. ـ أجاب الفتى: لا اعترف بها. ـ لماذا؟ ـ لأن جدي لا يعترف بها. ـ وما دخل جدك بالموضوع؟ ـ لأنه ذاكرتي التي تحفظ التاريخ, وأنا اقرأ منها. وقد اخبرني أنها لم تأت استجابة لرغبة شعبية, وأن حدودها لم ترسمها يد عربية. ـ لكنها اعضاء في الجامعة العربية! ـ لم اسمع بهذه الجامعة. ـ كيف.. وهي قائمة منذ عام 1945؟ ـ لا تقل لي كم عمرها. قل لي ماذا انجزت؟ فالمؤسسات والدول مثل الافراد لا تذكر ولا تخلد إلا بأعمالها. ألم يقل سبحانه وتعالى: وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون. ـ والأمم المتحدة تعترف بهذه الدول. ـ أنا لا اعترف بالأمم المتحدة. ـ لماذا؟ ـ لأنها تغطي جرائم الأقوياء ولا تنصف الضعفاء. ـ بماذا تعترف إذن؟ ـ بما احلم به أنا وجيلي. ـ وبماذا تحلمون؟ ـ بدولة عربية قوية موحدة تدفع عنا العدوان وتحمي مستقبلنا. ادرك المدرس ان رماد الحاضر لم ينجح في اطفاء نار المستقبل التي مازالت تتوهج في الصدور الفتية. فغادر الغرفة مستعيدا شبابه, ومنشدا مع تلاميذه كلمات بشارة الخوري (الأخطل الصغير): نحن الشباب لنا الغد .. ومجده المخلد الدين في قلوبنا .. والنور في عيوننا والحق في يميننا .. والغار في جبيننا نحن الشباب نبني ولا نتكل .. نفنى ولا ننخذل وما بنى الأوائل .. نحن له معاقل نحن الشباب ..