بقلم عبدالكريم محمد على مايبدو ان الذئاب لا تطيق ارتداء فرو الحملان كثيرا, فهي سرعان ما تضيق ذرعا من تغيير جلدها, لتعود وبشكل مفاجئ وبشراسة منقطعة النظير إلى لونها المبرقع, الذي يحمل روح العدائية لكل صرخة حق قد تصدر عن صاحبها, حتى الأنين, ولعل ما أطلقه رئيس الوزراء الفرنسي ليونيل جوسبان في اسرائيل من اتهامات ضد لبنان ووصم مقاومته الجنوبية بالارهاب, يدلل بلا جدل أو اجتهاد, عن تكشف الأنياب لذاك الذئب الذي حاول ان يخبئ الكراهية للشعب العربي, لكنه لم يستطع كثيرا تحمل هذا العبء الجاثم على صدره, فسرعان ما اقتنص اللحظة المناسبة لقذف الاتهامات بأبشع صورها ضد العرب جميعا, وقد تمثل ذلك في اتهامهم بتعطيل ما يسمى بالمسيرة السلمية, الجارية في الشرق الأوسط بين اسرائيل من جهة والعرب من جهة أخرى, ظنا منه ان هذه الاتهامات قد تبرئ حليفه ايهود باراك الذي وصل إلى طريق مسدود في سياسته التي لا تختلف كثيرا عن السياسة التي اتبعها نتانياهو من قبله, دون ان يغفل الدوافع التي انطلق من خلالها ليؤكد جملة من الحقائق, أهمها استحضار تاريخ الاشتراكيين الفرنسيين المعادي للعرب, والذي منذ وقت مبكر حمل رائحة الكراهية, بما تعني هذه الكلمة من دلالات سياسية مرتكزة إلى جدار عنصري موغل بالقدم, للوصول بهجومه إلى استحضار حليفه بل ومعلمه الاشتراكي (غي مولييه) الذي كان أحد أقطاب العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 إلى جانب مستر ايدن رئيس وزراء بريطانيا الأسبق, دون ان نغفل الشريك الأساسي والمرجعية السياسية والدينية العنصرية (اسرائيل), وعما كان سلفه بالأمس ميشيل روكار (زعيم الحزب الاشتراكي الموحد) في عام 1972 والذي التحق فيما بعد بميتران في العام 1974, وأصبح من دعاة اليسار الليبرالي الأمريكي, ورئيس الحكومة الفرنسية السابق (اليهودي لوران فابيوس) في عهد ميتران والآن يشغل منصب رئيس الجمعية الفرنسية (البرلمان), وجاك لونج وزير الثقافة السابق اليهودي أيضا وينتمي إلى الحزب الاشتراكي, وهؤلاء يمثلون التيار الانجلوسكسوني القوي والفاعل داخل الحزب الاشتراكي الفرنسي. ومن قبيل التذكير ان هذا الحزب الذي يقدر عدد أعضائه بـ 120 ألف عضو ينتمي له 20% من اليهود, ويقدر عدد اليهود في فرنسا بحوالي ثلاثة أرباع المليون, ولهذه الأسباب مجتمعة, فأغلب الظن, أو شبه المؤكد, ان جوسبان قد تعمد بالاتفاق مع غلاة الصهاينة في اسرائيل ان يفجر معركته السياسية داخل فرنسا نفسها, معتمدا على تغلغل القوى الصهيونية في مراكز القرار الفرنسي, لكي تكتمل حلقات الحملة الشاملة ضد استقلالية السياسة الأوروبية عموما بدءًا من ألمانيا مرورا بالنمسا وسويسرا وصولا إلى فرنسا ذاتها, وتصويرها معركة بين الديمقراطية والفاشية دون ان نقفز إلى محاولة قطع الطريق على انتعاش الوعي الأوروبي الاستقلالي في الدول الاسكندنافية, اضافة إلى دول شرق أوروبا بعد خروجها من الشيوعية بحيث انتقلت مما كان سيئا إلى ما هو أسوأ, وبدأت تدرك الخطط الجهنمية التي يحيكها التحالف الانجلوسكسوني ـ اليهودي بداية من أوروبا وانتهاء بالولايات المتحدة الأمريكية. وقد يكن من اللافت بالأمر ان تصريحات جوسبان لم تأت فعلا من موقف شخصي محض باحث عن الكرسي الأول في فرنسا, بقدر ما جاء هذا الموقف ارتكازا على خلفية سياسية ودينية, وخاصة وانه الانجيلي (البروتستانتي) الذي يتبوأ المركز الثاني في فرنسا الكاثوليكية, والذي يتعبر ان موقفه الديني يملي عليه اتخاذ جملة المواقف المعادية للعرب ولحقوقهم, خاصة وانه متزوج من امرأة يهودية. وقد تمثلت هذه المواقف في العمل على اقناع الحكومة الفرنسية لنقل سفارتها للقدس, انطلاقا من القناعة اللاهوتية التي يحملها جوسبان وغيره من المسيحيين البروتستانت والتي تحث هؤلاء على (اعادة تأسيس اسرائيل عند المسيحيين الأصوليين, هو ايفاء بالنبوءات ويتوجب على كل بروتستانتي بذل كل جهد ممكن لضمان الدعم الكامل لاسرائيل) , ولا يكتفي بالحدود الجغرافية الحالية لاسرائيل بما فيها الضفة الغربية وغزة والجولان, بل يطالب بامتداد أراضيها من الفرات إلى النيل, رغم التسويات السياسية المطروحة الآن مع العرب, ولعل جوسبان يعتبر ان قتل الغوييم المتمثلين بالعرب ان كان في جنوب لبنان أو في أية بقعة من العالم, انما يأتي هذا العمل تقربا من أوامر الخالق وتنفيذا لأوامره التي تنادي ـ حسب قناعته الايمانية ـ ببناء اسرائيل واقامة الهيكل ايذانا بعودة المسيح إلى الأرض وقد يكون عدم شجبه لمذابح قانا, واتهام اللبنانيين بالارهاب وهم الذين يقاتلون على أرضهم, جاءت انطلاقا من عقيدته اللاهوتية التي تعتبر قتل هؤلاء ارضاء لأوامر الله, وإذا سلمنا جدلا بأنه في هذا الموقف يسعى لبدء حملته الانتخابية فهذا قد يكون من حقه, ان يبدأ حملته الانتخابية من أية أرض يشاء, خاصة وهو الذي يرى في نفسه انه طوى المسافات وذلل الصعاب, ولم يعد ينقصه سوى وثبة قوية إلى تبوء المركز الأول في فرنسا, لكن يجب ألا تكون دماء أبناء الشعب اللبناني وجماجم أطفالهم وطلبة الجامعات الفلسطينية الجوعى المحاصرون, أدراج قصر الاليزيه التي سيعتليها جوسبان للوصول إلى الكرسي الأول. ويجب ان يعلم أن بيروت والضفة الغربية وغزة لن تكون بداية الحملة الانتخابية, بين الرأسين القويين في فرنسا جاك شيراك ورئيس حكومته الاشتراكي ليونيل جوسبان, ويجب أن يحصر الصراع على السلطة ومراكز النفوذ السياسي في الاليزيه, والماتينيون, والكي دورسيه, على أشده في باريس بين طرفي الصراع الدائم الديجوليين والاشتراكيين, والتجمع من أجل الجمهورية, والأهم بالأمر بات لزاما على العرب ان تنظر إلى الخلفيات اللاهوتية لهذه الجماعات التي لا تنظر إلى العرب وقضاياهم إلا من منظور ديني عنصري محض, وانها تعتبر سفك دمائهم قربانا للرب, وهذا الاتجاه أقوى من ان نتصوره فهو ممتد بين فرنسا مرورا ببريطانيا وانتهاء بالمبشرين الانجيليين, في الولايات المتحدة الأمريكية, الذين يستحوذون على ثقة الشارع الأمريكي وهم الذين غالبا ما يحددون من هو الفائز في أية انتخابات رئاسية بأمريكا.