السودان والمبعوث الامريكي

بقلم أحمد عمرابي هل الولايات المتحدة وسيط محايد بين الحكومة السودانية و(الحركة الشعبية لتحرير السودان) ـ حركة قرنق ـ كما حاول ان يوحي المبعوث الخاص الامريكي الى السودان هارى جونستون في زيارته الاولى للخرطوم التي اختتمت قبل أيام قلائل . أقصر الطرق للاجابة عن هذا السؤال هو النظر في عملية التفاوض الفلسطينية الاسرائيلية ودور واشنطن فيها. (حيادية) الولايات المتحدة تجاه الحكومة السودانية وحركة قرنق, وبالتالي تجاه الحرب الدائرة في الجنوب السوداني هي بمثابة (حياديتها) بين السلطة الفلسطينية والدولة الاسرائيلية. بكلمة واحدة, فان الولايات المتحدة لا تملك اوراق اعتماد من حيث النزاهة والتجرد تجاه المشكلة السودانية. والشواهد اكثر من ان تحصى.. ومن أبرزها يلي: أولا: اسم السودان موضوع على القائمة الامريكية للدول (الراعية للارهاب) .. واذ تضم هذه القائمة سوريا والعراق وايران وليبيا بالاضافة الى كوبا وكوريا الشمالية, فان الهدف منها هو ملاحقة الدول التي تتوخى في علاقاتها الخارجية سياسة استقلالية تنأى بها عن رهن ارادتها القومية الى الولايات المتحدة. هذا التوجه الاستقلالي تدمغه واشنطن بالارهاب. ثانيا: السودان ومعه الدول المذكورة وغيرها فرضت واشنطن عليها عقوبات اقتصادية انطلاقا من الدوافع الامريكية نفسها التي بموجبها ابتدعت امريكا ما تسميه بقائمة الدول الراعية للارهاب. ثالثا: اضافة الى قرار العقوبات الاقتصادية العامة تقصدت واشنطن السودان تحديدا بقرار صدر مؤخرا بفرض عقوبات على الشركات الاجنبية العاملة في مشروع النفط السوداني ومن بينها شركة النفط الوطنية السودانية ومعها كل من شركة النفط الوطنية الصينية وشركة النفط الوطنية الماليزية وشركة (تاليزمان) الكندية. رابعا: نفذت الولايات المتحدة قبل عامين اعتداء عسكريا علنياً على السودان بارسال صواريخ قصفت مصنعا للادوية في الخرطوم. وكانت ذريعة هذا العدوان معلومات استخبارية ثبت لاحقا انها غير صحيحة. وحتى اليوم تعرقل واشنطن طلب الحكومة السودانية الى مجلس الامن الدولي لارسال بعثة لتقصي الحقائق في الادعاءات الامريكية.. بينما تعزف واشنطن في الوقت نفسه عن تقديم اعتذار للسودان. خامسا: الولايات المتحدة تقوم بامداد قوات حركة قرنق القتالية بأغذية لمساعدتها على الصمود في الأراضي الخاضعة لسيطرة الحركة مع امدادها في الوقت نفسه بأسلحة عن طريق دول أخرى. ان سجلا كهذا لا يؤهل الولايات المتحدة لتلعب دور وسيط نزيه من اجل وضع نهاية للحرب في جنوب السودان ورعاية مفاوضات بين الحكومة السودانية وحركة قرنق تهدف للتوصل الى صيغة سياسية لمستقبل الجنوب تكون مرضية للشماليين والجنوبيين. لقد ادعت واشنطن كما رأينا ونرى مثل هذا الدور بين الفلسطينيين والاسرائيليين كلعبة ازدواجية ذكية, لكنها صارت مفضوحة, في الظاهر تدعي واشنطن الحيادية بين الطرفين لكنها عمليا لا تكف عن الضغط على الطرف الفلسطيني للاستجابة للمطالب التفاوضية الاسرائيلية. ومع مرور كل يوم يظهر اثبات جديد على ان الدور الحقيقي الامريكي في هذا السياق ينبثق من الشراكة الاستراتيجية التي تربط بين الولايات المتحدة والدولة اليهودية. ان امريكا اذا ارادت حقا ان تلعب دور وسيط نزيه بين الحكومة السودانية وحركة قرنق عليها ان تثبت حسن نوايا مقدما. ولكي تثبت ذلك فان عليها ان تمزق قائمة (الدول الراعية للارهاب) وان تلغي العقوبات الاقتصادية وان تعتذر عن خطأ قصف مصنع الادوية, وان تكف عن امداد قوات قرنق بالمواد والتجهيزات ذات الطبيعة الحربية او شبه الحربية. والا فإن من حق السودان ان يتعامل معها باعتبارها خصما لا يضمر سوى العداء والشر.

تعليقات

تعليقات