بقلم: يوسف الشريف على ما تبدو الشواهد ان الأخ العقيد معمر القذافي عازم على نقلة نوعية, تستهدف إعادة ترتيب أوضاع البيت الليبي من الداخل, لمسيارة المتغيرات المتسارعة على الصعيد الوطني والدولي والإقليمي, وهكذا في تطور سياسي مفاجئ قرر مؤتمر الشعب العام وهو أعلى سلطة تعادل البرلمان في الجماهيرية الليبية إلغاء الصيغة الراهنة للحكومة المركزية عبر نقل صلاحيات (الأمانات) أي الوزارات إلى المجالس المحلية, مع الحفاظ على أمانة اللجان الشعبية ، العامة للنهوض بمهام مجلس الوزراء وتكليفها باختصاصات محددة, مع الإبقاء على خمس وزارات سيادية فقط وهي: الاتصال الخارجي, والعدل, والأمن العام, والمالية, والإعلام والثقافة, والوحدة الإفريقية.. لكونها ذات صفة مركزية, بينما الوزارات الملغاة أقرب إلى التعامل المباشر مع الشعب, ومن هنا حرصه ان تكون مسئولة أمامه مباشرة, فيما كلف مبارك الشامخ برئاسة مجلس الوزراء (الأمين العام للجنة الشعبية العامة) , يعاونه نائبان أحدهما يختص بالإنتاج والآخر للخدمات, ونقل عبد الرحمن شلجم من رئاسة لجنة الشئون الخارجية في المؤتمر الشعبي العام إلى أمانة الاتصال الخارجي والتعاون الدولي ووزارة الخارجية, بما يعني قدما في تعزيز سلطة الجماهير. ويأتي اجتماع مؤتمر الشعب للمرة الثانية في غضون شهر واحد بمدينة (سرت) بمناسبة مضي 23 عاما على إلغاء الدولة ونقل كل سلطتها إلى الجماهير, لصياغة القرارات التي أسفر عنها 400 مؤتمر شعبي أساسي, وفي مقدمتها إعادة هيكلة شاملة للموازنة العامة والجهاز الإداري, وإجاز قوانين تتعلق بالسياسة الداخلية وبينها ما يتعلق بالخدمة الوطنية والرعاية الاجتماعية والنظام التشاركي في مجالي التعليم والصحة ومراجعة الخطة الخمسية التي تعني في المقام الأول بتشجيع الصادرات الليبية وتنشيط التجارة البينية مع إفريقيا بخاصة, إثر توجه العقيد القذافي مؤخرا صوب تفعيل علاقات الجماهيرية الليبية مع دولها على حساب توجهاته القومية السابقة مع العرب, تقديرا لدور القادة الأفارقة في كسر الحصار الجوي الذي كان مفروضا على ليبيا, والإسهام ـ عبر وساطة نيلسون مانديلا الرئيس السابق لجنوب إفريقيا ـ في البحث عن مخرج لمحاكمة إثنين من مواطنيها يشتبه في ضلوعهم في حادث الطائرة الأمريكية التي سقطت عام 1988 فوق منطقة لوكيربي باسكتلندا, ويطمح القذافي ان يؤدي التعاون الاقتصادي مع إفريقيا إلى تصنيع ما لديها من خامات في المصانع الليبية التي يتوافر لها مقومات البنية الأساسية. وقد شغلت قضية التنمية الاقتصادية حيزا هاما من أعمال مؤتمر الشعب العام, وأشار قائد الثورة الليبية في مداخلاته إلى انحيازه للأخذ بأساليب التكنولوجيا الحديثة في عملية الإنتاج وإلى ما يشبه العولمة الإفريقية في هذا المجال, مما قد يؤدي إلى التخفف من العمالة, وعليها والأمر كذلك ان تتكيف مع المستجدات وتبحث لنفسها عن نشاطات بديلة, ودعا إلى عولمة إفريقية للثقافة والمعرفة والإعلام عبر قمر صناعي إقليمي خاص, والشاهد ان تعليق العقوبات الدولية المفروضة على ليبيا في إبريل الماضي من جهة, والإرتفاع المشهود في أسعار النفط من جهة ثانية, كانتا من أبرز العوامل التي افضت إلى الاستفادة من خبرات سنوات الحرمان الاقتصادي إن جاز التعبير في تحقيق إنطلاقة تنموية متميزة, تحسبا لتحديات العولمة واتفاقية الجات, وربما تحسب المزيد من نذر التآمر الأمريكي البريطاني بخاصة, في ضوء اتهام الجماهيرية سابقا بدعم الإرهاب الدولي, وإنتاج الأسلحة الكيماوية والبيولوجية في مصنع (ترهونة) , ثم إتهامها مؤخرا بالسعي لامتلاك صواريخ بعيدة المدى قادرة على ضرب أهداف أمريكية وأوروبية حسبما زعم وليم كوهين وزير الدفاع الأمريكي, ونفته طرابلس لكونه تبريرا للسيطرة الأمريكية على أوروبا والبحر المتوسط, وتمدد حلف الأطلسي شرقا وغربا, وكان هذا الاتهام قد تردد في سياق تقرير نشرته صحيفة (البايير) الأسبانية, حول مفاوضات ليبية مع كوريا الشمالية لتزويدها بصورايخ يزيد مداها على ألف كيلو متر قادرة على ضرب إسرائيل وجنوب أوروبا, ثم تجدد الاتهام للمرة الثالثة عبر صحيفة (صنداي تايمز البريطانية) حول اكتشاف صناديق في مطار (جاتويك) تحتوي على أجزاء صواريخ (سكاد) كانت في طريقها إلى طرابلس, مما يعد انتهاكا لحظر تصدير الأسلحة الذي يفرضه الاتحاد الأوروبي على ليبيا, وإلى حد إثارة الشكوك حول حصولها في الثمانينيات على نحو مئة قاعدة إطلاق متنقلة للصواريخ (سكاد) , فيما أشار بن شابرد المحرر العسكري (جينس سانتيانا) إلى إمكانية تحول ليبيا خلال خمس سنوات فقط إلى دولة حائزة للأسلحة النووية. طبيعي إذن ان يتحوط العقيد القذافي لهذه الاتهامات كمقدمة لعدوان محتمل, وهو الذي تعرض بيته للدمار واغتيال ابنته بالتبني في الغارة الجوية التي نفذتها عشرات الطائرات الأمريكية على ليبيا, وأن يرصد بعين الاهتمام مخاوف أمريكا من تمديد علاقاته ونفوذه في القارة الإفريقية, وان يدعو بالتالي إلى قيام قوة عالمية رادعة ذات إمكانات نووية تضم الصين والهند وباكستان لإعادة التوازن الاستراتيجي للنظام العالمي الجديد, ونزع فتيل العدوان على دول العالم الثالث عبر التحالف الأمريكي الإسرائيلي, وإرساء قاعدة اقتصادية قوية ليبية قادرة على تمويل كلفة الصمود ومواجهة التحديات الاقتصادية العالمية, والعبور إلى آفاق متقدمة للتنمية والتحديث, ولعل المقدمات تنبئ بانجاز الاهداف, حيث تقلص الاعتماد في ميزانية الدولة لعام 2000 على النفط الذي يشكل 95% من ايرادات الخزانة العامة من العملة الصعبة, وتخفيض الإنفاق الحكومي من 65.6 مليارات دينار إلى 07.3 مليارات دينار, وإعتماد الخطة الخمسية (2001 - 2005) على برنامج استثماري ضخم, يلعب فيه القطاع العام دور القاطرة, وتطوير الصناعات الوطنية من حيث المواصفات والنوعية المطلوبة للتصدير والمنافسة في الأسواق العالمية مع اعفائها من معظم الأعباء الغربية, ومعالجة سلبيات المشروعات المتوقعة التي كبدت الدولة 1500 مليون دينار, ومن هنا كانت زيادة النمو في الناتج المحلي بنسبة 4.5% وتوقع ارتفاعه بنسبة 7.4% نهاية عام 2000 ! على ان الحصار الاقتصادي الذي تعرضت له ليبيا على مدى ست سنوات متصلة, قد اسفر عن ظواهر سلبية متباينة ترواحت بين التسيب الإداري والفساد السياسي والإثراء غير المشروع, مما لا يستقيم مع جدية وشفافية التحشد لإنجاز النقلة النوعية الكبرى للتنمية, وهذا الأمر شغل العقيد القذافي وكان مثار شكوى الجماهير واللجان الشعبية, مما استدعى الضرب بشدة على يد المتهمين وتقديمهم للمحاكمة, لكن وفي كل الأحوال يظل أبرز التحولات الداخلية المتسارعة في ليبيا, الحديث عن فتح الأبواب المغلقة أمام الاستثمارات الأجنبية, فهل يعني ذلك التحول إلى اقتصاديات السوق الرأسمالي؟ .. وكذلك تلميح العقيد القذافي إلى احتمالات الأخذ بالنظام الجمهوري توطئة لاختيار أول رئيس للجمهورية, فهل يعني ذلك التحول إلى النظام الديمقراطي؟ .. و كيف يستقيم الأمر في ظل نقل السلطة إلى الجماهير, فيما يرى المراقبون أن الدافع المباشر للقذافي وراء هذا الخيار, يكمن في حرصه على تأمين الانتقال الهادئ للسلطة إلى غيره في حالة غيابه, بعدما كشفت صحيفة (الصنداي تايمز) مؤخرا تفاصيل خطة أعدها جهاز المخابرات البريطانية (ام أي 6) لاغتياله خلال انعقاد المؤتمر الشعبي العام في 24 فبراير ,1996 وتوزيع 250 قطعة سلاح على مجموعة من المعارضة الليبية المكلفة بتنفيذ المهمة. المعروف ان بريطانيا أعادت علاقتها مؤخرا مع طرابلس ربما لموقع قدم المشروعات الكبرى التي تعتزم ليبيا انجازها في الخطة الخمسية, وربما من باب تأنيب الضمير للتغطية على ضلوعها أو علمها بمحاولة اغتيال طرابلس, لكن ان تتواتر الأخبار في الصحافة الغربية عن لقاءات ومباحثات ليبية أمريكية وراء الستار, وإعلان واشنطن عن قيامها بدراسة شطب ليبيا من قائمة الدول التي ترعى الإرهاب الدولي, ثم ان يعلن رومانو برودي رئيس المفوضية الأوروبية دعوة القذافي لزيارة بروكسيل, لإجراء حوار حول مشاركة أوروبية في عملية برشلونة التي تشكل قاعدة التعاون الأوروبي المتوسط, من هنا لا مفر من الربط بين التحولات الداخلية الليبية وانعكاساتها الخارجية, فهل يوافق القذافي على مشاركة إسرائيل في عملية برشلونة على تسليمها بالحقوق المشروعة للفلسطينيين وسوريا ولبنان هذا هو السؤال.