المراقب للحياة السياسية التي تعيشها الشعوب الأوروبية التي وصلت بها الرفاهية إلى حد التخمة, على الرغم من أرقام البطالة التي تعلنها حكومات تلك الدول من وقت لآخر, يجد ان لتلك الحياة بعض مظاهرها الغريبة التي وجدت لتحقيق أهداف معينة, لكنها ضرورية لاستمرار المادية الاستهلاكية التي تطبعها, بل ان تلك المظاهر ، أصبحت ضرورية تماما كصمام الأمان, الذي يوجد في ماكينات البخار فيقوم بعملية (تنفيس) من وقت لآخر للضغط الزائد في داخل المرجل البخاري ويمنع انفجاره . صمامات الأمان في المجتمعات الاستهلاكية الغربية متعددة, وإن كانت تعمل كلها كصمامات دقيقة مهمتها الأولى تخيف الضغوط بشكل أو بآخر, بعضها يخفف الضغوط النفسية, مثل مدارس تعليم اليوجا, والجماعات الدينية الشرقية كالبوذية والسيخ وهاري كريشنا, بل وحتى الرقص الشرقي, الذي انتشرت مدارس تعليمه في جميع أنحاء أوروبا, وأصبحت ظاهرة تستحق الوقوف عندها كثيرا. لكن أهم هذه الصمامات جميعا, نظام الانتخابات العامة الذي يجري كل أربع أو خمس أو حتى ست سنوات طبقا لدستور كل بلد, حيث تعتبر الانتخابات أهم أعمدة النظام الديمقراطي, والذي تتباهى به شعوب أوروبا الغربية على غيرها من شعوب العالم, وعلى الرغم من النظريات والفلسفات التي تحاول ان تقدم جميع الجوانب الإيجابية لهذا النظام, وتحاول ان تشرح أهمية الانتخابات العامة وإيجابياتها, إلا ان تلك العملية تعتبر في الحقيقة أحد أهم صمامات الأمان الرئيسية, التي تحاول ان تحمي المجتمع الاستهلاكي الغربي من الانفجار. يكفي ان يشاهد المراقب تلك الانتخابات وما يجري فيها, حتى يمكنه ان يضع إصبعه على أهميتها كصمام أمام يحمي المجتمع من الضغوط, التي تفرض على الفرد طريقة في الحياة تدفعه إلى الجري واللهاث وراء كل ما هو جديد من أشكال الرفاهية, التي قد تناسبه ولا تناسبه, المهم هو الحصول على كل جديد في الأسواق, لأن المجتمع الاستهلاكي استطاعت المادية فيه ان تدرس النفس البشرية على مستوياتها جميعا, فتقدم للطبقة السفلى ما يجعلها تفكر في ان اقتناء هذه السلعة أو تلك التي يؤكدون أنها لازمة لترفعها إلى الطبقة المتوسطة, بينما تقدم للطبقة المتوسطة من السلع التي تجعلها تفكر في ان من يقتنيها يعتقد أنه ينتقل عبر امتلاكها إلى الطبقة الأعلى, وهكذا حتى آخر أنواع البشر في تلك المجتمعات, انتقلت تلك الحياة ال مادية الاستهلاكية إلى مجتمعاتنا, لكنها جاءتنا عارية من إطارها الديمقراطي. من هنا كان لابد من إقامة سيرك عام تشارك فيه جميع الطبقات الاجتماعية, وتكون فيه فئات المجتمع جميعا, متفرجة ومشاركة في وقت واحد, تطبيقا لأحدث نظريات الفرجة المسرحية, وهذا السيرك العام يتمثل في الانتخابات العامة التي تجرى في تلك المجتمعات, وتجعلها تشارك فيه معتقدة أنه من خلالها تختار بالفعل ممثليها الذين توكل إليهم عملية تسيير دفة الحكم خلال فترة معينة, قد تنتهي أحيانا قبل موعدها المحدد دستوريا, نظرا لظهور ضغوط جديدة تهدد الحياة في هذا المجتمع الاستهلاكي, أي تهدد بشكل أولي تواصل عمليات الإنتاج التي تقوم بها الشركات التي تمارس سيطرتها على المجتمع, عندها يمكن تقديم موعد انعقاد سيرك الانتخابات ليكون صمام الأمان الذي يفتح الطريق أمام الضغط ليخرج على هيئة صرخات تنطلق هنا وهناك خلال الحملات الانتخابية, التي تشارك فيها جميع الاتجاهات التي يفوز بعضها ويخسر بعضها الآخر, أو يقنع بعضها بلعب دور الكومبارس على جانبي مسرح السلطة . في هذا السيرك العام يقف اللاعبون الذين يمثلون الأحزاب المختلفة التي يتخذ بعضها مواقف اليمين, أو اليسار, أو الوسط, أو حتى المابين بين شعارات لها, لكل منها زعيم مثل قائد (الجوقة) الموسيقية التي تعزف الموسيقية الخلفية, بينما هناك من يقف على المسرح ليعلن أفضل ما عنده متمثلا في شكل (برنامج انتخابي) , يتضمن الممكن وغير الممكن تنفيذه, ولكن من يعرف منهم ما تريده الجماهير خلال تلك المرحلة, هو الذي يستطيع الفوز في الاقتراع, ويشكل الحكومة التي قد لا تنفذ شيئا من وعودها الانتخابية, ولكنها تظل تلعب دورها حتى يحل موعد الانتخابات الجديدة. هذا السيرك الانتخابي مثله مثل كل فنون الفرجة, يتطور أو يتخلف, ويتأثر بما يجري حوله من أحداث, وأهم الأحداث المعاصرة التي فرضت نفسها على هذه النوعية من الفرجة الانتخابية المعاصرة خلال السنوات العشر الأخيرة, سقوط الأيديولوجيات وظهور العولمة الاقتصادية, وغيرها من المظاهر المصاحبة لتلك التغييرات التي رافقت تفسخ الاتحاد السوفييتي السابق, وفتحت الطريق على مصراعيه أمام الهيمنة الغربية بقيادة الولايات المتحدة . لو أخذنا في حسباننا هذه التغييرات ومدى تأثيرها على ما تشهده أسبانيا خلال هذه الأيام من سيرك انتخابي, ينتهي قريبا, عندما يجري الاقتراع لاختيار الحكومة الجديدة المنوط بها عملية الحكم لفترة أربع سنوات مقبلة, لأمكننا ان نرى فيها نموذجا حيا لهذا (السيرك الديمقراطي) , وأمكننا ان نرى تأثير التغيرات الأيديولوجية والاقتصادية التي جرت في العالم, وتأثيرها على توجه مختلف فئات الشعب الأسباني, التي دفعت بالأحزاب يمينها ويسارها إلى تغيير شعاراتها لتتفق مع المرحلة التي يعيشها المجتمع, وجذب أكبر قدر ممكن من المتأثرين بتلك التغييرات, بعد ان فقدت الأيديولوجية دورها, وأصبحت المصالح الخاصة والآنية, هي الدافع إلى اختيار حزب دون آخر. شهد سيرك الانتخابات الديمقراطي المقام حاليا على الساحة الأسبانية عدة تغييرات مهمة, أولها أنه منذ ان بدأت عملية التحضير لهذه الانتخابات ولا يعرف أحد من المرشح للفوز فعلا في هذه المرحلة, فقد اختلطت الأوراق بين اليمين واليسار, ودخلت سيرك الانتخابات أحزاب لا يعرفها إلا من تقدموا لترشيح أنفسهم عنها, وبعضها يتخذ من أي شئ أي شعار. اختلطت الأوراق بين اليمين واليسار في هذه الدورة الجديدة من سيرك الانتخابات الديمقراطي في أسبانيا, مثلا الحزب الاشتراكي الذي يمثل يسار الوسط أكثر منه ممثلا للاشتراكية الحقيقية خسر الانتخابات الماضية بسبب تغير الظروف الدولية, وفقدان الأيديولوجية دورها في دفع الناخبين للاختيار بين أحزاب تمثل توجهات محددة الهوية الأيديولوجية, لذلك قرر الحزب الاشتراكي في هذه المرة ان يحاول اللعب على وتر المصلحة الذاتية والآنية التي تهم الناخب وتدغدغ أحاسيسه, فتم التركيز على توفير فرص العمل وزيادة رواتب المعاشات للمتقاعدين, وغيرها من الخدمات العامة التي تهم طبقة كبيرة من الشعب الأسباني, وتساعده على البقاء في إطار رفاهية (الحياة الاستهلاكية) كمجتمع غربي. أما الحزب اليميني الحاكم الحالي, الذي فاز في الانتخابات الأخيرة التي جرت قبل أربعة أعوام فيها بفارق نقطة واحدة, وقال جميع المحللين وقتها ان فوزه بهذا القدر الضئيل بسبب أنه دخل الانتخابات العامة ممثلا للأيديولوجية اليمينية, التي لا تزال جوانبها السلبية ماثلة للأذهان, باعتبارها الأيديولوجية التي مكنت الجنرال فرانكو من الحكم بشمل ديكتاتوري طوال ما يقرب من أربعين عاما. بسبب افتقاره إلى الأغلبية المطلوبة, لم يتمكن هذا الحزب اليميني من تنفيذ برنامجه المعلن خلال الانتخابات الأخيرة, إلا بعد ان قدم تنازلات ضخمة للأحزاب الإقليمية الصغيرة التي قبلت دعمه في البرلمان, وهذه التنازلات كانت من أساسيات برنامج الحزب اليميني الانتخابي, وكان يدافع عنها خلال السيرك الانتخابي السابق بحماس منقطع النظير, لذلك يتقدم هذه المرة متخليا عن أفكاره السابقة ومرتديا زي (الوسط) , بل تعدى زعيم اليمين اعتناقه لأفكار الوسط ليؤكد ان حزبه (تقدمي) , بل أكثر تقدمية من الاشتراكيين أنفسهم. هذا الإعلان من جانب الزعيم اليميني ناتج عن ان كل التحليلات تؤكد ان من يريد ان يفوز في هذه الانتخابات عليه ان يقنع الغالبية العظمى من الشعب الأسباني التي يشكلها الوسط, لأن الغالبية تحلم الآن بالقفز إلى فئة أعلى, أو على أقل تقدير بالحفاظ على رفاهيتها, التي يوفرها لها المجتمع الاستهلاكي بعد ان اختفت الأيديولوجيات واطمئن الشعب إلى ان زمنا مثل زمن الجنرال فرانكو لا يمكن ان يعود مرة أخرى. لذلك خلال السيرك الانتخابي الديمقراطي المقام في أسبانيا هذه الأيام أصبحت كل البرامج فيه تتشابه, وكل الطروحات لا تختلف الواحدة عن الأخرى إلا في طريقة الصياغة اللغوية, أو صورة قائد الجوقة الذي يدعو الجماهير لإتباعه ومنحه الثقة, من هنا صار من الصعب ان يتوقع أحد أي من الحزبين الرئيسين يمكنه الفوز بثقة أكبر عدد من فئات الشعب, حتى استطلاعات الرأي التي حاولت تبين توجهات الناخبين حارت في الوصول إلى نتيجة مؤكدة. على أي حال لم تعد النتيجة النهائية أو اسم الفائز في تلك الانتخابات له أهمية, لأنه من المؤكد ان أي منهما لن ينفذ من برنامجه الانتخابي إلا بالقدر الذي تسمح له بها الظروف المحيطة به, وهنا ليست ظروف المجتمع الأسباني نفسه, بل ظروف المجتمع الاستهلاكي الغربي بشكل عام, والذي توجد السيطرة فيه الشركات متعددة الجنسية التي تمتلك معامل لدراسة شخصيات المجتمعات الغربية على اختلافها, بهدف التوصل إلى الفوارق التي يتمتع بها كل مجتمع, وبذلك يمكنها ان تقدم له السلعة الاستهلاكية التي تحقق طموحاته أو ترضيه عن حياته في محيط المجتمع الاستهلاكي . يمكننا ان نؤكد ان الانتخابات العامة في الحياة الديمقراطية للمجتمعات الاستهلاكية تعتبر نوعا من السيرك, يلعب الساسة دور المهرج . فيما يلعب السيرك نفسه دور صمام الأمان لضمان التخفيف من ضغوط الحياة الاستهلاكية نفسها, وضمان وجود الشعب داخل (الحظيرة الاستهلاكية) لأربع سنوات أخرى, يستهلك (الرفاهية) في سعادة. قبل ان تدفع الضغوط المجتمع إلى الانفجار يأتي موعد (السيرك الانتخابي الديمقراطي) الجديد ليخفف من حدة هذه الضغوط, وليعده لفترة جديدة من الحياة تحت مطارق الضغوط الاستهلاكية .