بقلم د. صالح هويدي درج النشاط الثقافي ووسائل الاعلام في بلادنا العربية, مثلما درجت سائر الأدبيات الأخرى على استخدام مصطلح (الغزو الثقافي) تعبيرا عن فكرة محاولة الفكر الاستعماري الغربي وثقافته وقيمه التغلغل إلى فكرنا العربي ومنظومته الثقافية والقيمية بغية مسخها والحلول محلها, أو التأثير فيها تأثيرا ينال من تماسكها وفاعليتها في أحسن الفروض . وعندنا ان عبارة الغزو الثقافي ذائعة الانتشار تنطوي على قدر غير قليل من المبالغة, وهي ان صحت في جانب من جوانبها, وفي مرحلة من مراحل العلاقة فيما بيننا وبين الغرب فإنها لا تصح في سائر مظاهر العلاقة فيما بينهما في كل وقت وحين. وإذا كان صحيحا ان الغرب قد تنكر لمنهجيته العلمية وجانب الموضوعية حينما مارس غزوا ثقافيا أساء إلى جوانب من ثقافتنا وأضر بها في مرحلة من مراحل هيمنته الاستعمارية, فإننا لم نكن بمنجى عن التنكب للموضوعية حينما كنا ـ ولا نزال ـ ننظر إلى أوجه العلاقة جميعاً فيما بيننا وبين الآخر, لا من خلال الوسائل المعرفية, بل من خلال رؤية ايديولوجية تنأى عن رؤية عناصر الجدل المعقد في قانون هذه العلاقة لتنتهي فيما بعد إلى مقولات تبسيطية جاهزة لا تؤسس معرفة حقيقية بالآخر. ولعل من المناسب في مثل هذا المقام التذكير بأن الغزو عند من يؤثرون استخدام هذا التعبير, ما كان لينحح أو يتحقق لولا وجود حالة من الضعف والهشاشة والتداعي التي تسمح بالنفاذ إلى الذات الواهنة والتأثير في ارادتها وتشويه منظومتها, وهو أمر يقودنا إلى الاتجاه نحو فتح حساب مع الذات, واتخاذ موقف نقدي منها قبل التوجه بخطاب الهجاء الأيديولوجي نحو الآخر الغازي. ولا مراء في انه من غير السهل علينا ان نتخلص من الرؤية الذاتية في النظر إلى الآخر ونحن ما زلنا نعيش عقدة الثأر أو عقدة الدونية اللتين لابد من ان تنتجا خطابا هجائيا لا يعين على تلمس طريقنا نحو فهم فكر الآخر واستراتيجيات عمله, ولا يؤسس قاعدة علمية للتطور وأرضية ملائمة للتفاعل المثمر, فنحن بوصفنا أمة من أمم العالم لا نستطيع ان نستغني عن الآخر أو نتفادى الدخول في تفاعل جدلي معه لاكتشاف ذواتنا واكتشافه في آن معا. ولعل حالة النهوض الحضاري للأمة كانت مرتبطة على الدوام بلحظات التماس مع ثقافات الأمم الأخرى, وحالة الحوار مع منجزاتها الحضارية وعناصرها الابداعية التي نجحنا يوما ما في هضمها واعادة انتاجها ضمن نسق رؤية منهجية خلاقة. من هنا فقد يكون مصطلح (التبعية) أوضح في دلالته على حال الأمة اليوم من مصطلح (الغزو) ذلك ان في الأول توصيفا لمظهر من مظاهر العلاقة الواضحة بين ثقافتين لا سبيل إلى دفعها, إذ هي أقرب ما تكون إلى القانون الذي يحكم العلاقة القائمة بين حضارتين ليس بينهما تكافؤ في وتائر التطور ومستويات التقدم والرقي. ان حاجة الفكر المستغل (بالفتح) الضعيف الى الاحتذاء والمحاكاة اكبر عندنا من حاجة الفكر المستغل (بالكسر) المتقدم الى الغزو والحرب والاحتواء. ولعل ما يؤيد هذا انه لو كان المحتذي او الناقل المقلد هو الغرب القوي المتقدم لما امكن اطلاق مصطلح التبعية على ممارسته تلك, ذلك ان التبعية تفترض نقل الطرف الادنى من الطرف الارقى واحتذائه له, ومن هنا كان هذا السلوك مستنكرا, مدانا. اما السبب الذي يدعونا الى ايثار مصطلح التبعية على مصطلح الغزو فيرجع الى ما ينطوي عليه مصطلح الغزو ويشي به من تبرئة (للأنا) في مقابل تحميل الآخر مسئولية الانسلاخ والمسخ والمحاكاة, مما شجع ويشجع على اتخاذ الآخر تكئة للاخطاء ومشجبا لتعليق مختلف مظاهر الضعف والتقليد والانقياد عليه (المشجب) مما لا يعين في النهاية على خلق امكانات واقعية لتجاوز حالة التردي ومظاهر الضعف والانكسار. ولا اظن ان احدا منا اليوم يماري في ان ثقافتنا العربية المعاصرة محكومة في جوانب مختلفة منها بثقافة الآخر, الى الحد الذي يصح معه التبعية وصفا للعلاقة التي تربطنا بالحضارة الغربية في كثير من مفاصلها. واذا كان مجتمعنا ليس بدعا بين المجتمعات ولا استثناء, فإن الفاصل الواضح بين ما وصل اليه واقع فكرنا العربي في هذه المرحلة الحضارية ومديات التطور التي قطعها الفكر الغربي وآفاقه المتجددة تجعل امر انقياد الاول للثاني واحتذائه واردا ومحتملا من بين الخيارات الاخرى. واذا كنا لا نختلف على اننا نعيش في كثير من مظاهر ثقافتنا المعاصرة حالة من التبعية والدوران في فلك الآخر, فإن الاختلاف كله انما يكمن في صعوبة الاتفاق في الحكم على ظاهرة ما من ظواهر ثقافتنا واتجاهاتها بالتبعية من عدمها. وما الحوارات التي كتبت عن التبعية والمعاصرة والتقليد والابتداع والتراث والاصالة إلا جزءا من هذا المنطلق الخلافي الناشىء عن اختلاف زوايا النظر الى تلك الظاهرة الثقافية والحكم عليها. ونحسب ان الدرس المستفاد من دورة الحضارة الانسانية ينبغي ان يتلخص في انه لا يمكن للثقافات ان تعيش بمعزل عن بعضها وانها اذا ما ارادت التطلع الى مستويات من النضج والتلاقح فإن عليها ان تتجاوز منطق الوصاية والاحتواء وان تستبدل به منطق الحوار والتفاعل والاخذ والعطاء. ولكن من الحق ان نسارع الى القول اننا نحن العرب الذين نعيش عقد الماضي من غرب الامس, ونشهد بونا شاسعا بين ما نحياه وما نتطلع اليه مما عند الآخر لا نستطيع ان نكون ندا لهذا الآخر ان نتفاعل معه على قدم المساواة ودونما فقدان للتوازن. من هنا فإن امامنا طريقا ينبغي قطعها وصولا الى تحقيق تلك الاهداف تبدأ باشاعة اجواء الحرية وتعددية الرأي, واطلاق ارادة المرأة, وبناء اسس صناعة تكنولوجية, وتوفير فرص عدالة اجتماعية, وتعميم منهجية العلم واحلالها محل مظاهر الفكر الاسطوري المعشش في جنبات مجتمعاتنا, بغية تحليل آليات عمل فكر الآخر وفهمها لتمكيننا من الافادة منها والتفاعل معها لاعادة انتاج معرفة جديدة تحمل ملامح بصماتنا وخصوصية فعالياتنا المعرفية وعقلنا الخلاق.