مرت سنتان على تشكيل ما عرف في المغرب بحكومة التناوب بقيادة عبدالرحمن اليوسفي, الكاتب الاول لحزب الاتحاد الاشتراكي, وهو الحزب الذي يتوفر على اكبر عدد من المقاعد في مجلس النواب, وقد شكلت التجربة في حد ذاتها عملا رائدا في العالم العربي, ومثلت نقلة نوعية في التحولات الديمقراطية التي تعرفها المنطقة العربية في ظل (الزمن العالمي) الذي يتسم بقيم الديمقراطية وحقوق الانسان . وبفعل ريادتها, فقد استقطبت الاهتمام والنقاشات بين متشككين ومتفائلين بعطاء هذه التجربة, وبسلامة الخيار الذي اقدمت عليه قيادة الاتحاد الاشتراكي المتزعم للمعارضة, وذلك بالانخراط في هذه التجربة الصعبة, لقد استند المتشككون في معارضتهم على طرح مفاده ان هذا التناوب الذي تم في المغرب لم ينطلق من معطيات سياسية سليمة. ويؤكدون ذلك بالفسيفساء الذي وسم هذه الحكومة التي لم يستطع عبدالرحمن اليوسفي تشكيلها الا بعد اللجوء الى تحالف واسع ضم احزابا في جوهرها لا تنتمي لنفس الخيارات ولا لنفس الهواجس, ومن ثم فقد تنبأ هؤلاء بفشلها على اعتبار ان الشروط التي انتجتها لا يمكن ان تسمح لها بالتصدي للمشكلات العويصة, ولا للتركة الثقيلة التي خلفتها ممارسات الحكومات السابقة بيد ان هذا المنطلق لم يصمد فيوجه المتعاطفين مع هذه التجربة الذين دافعوا عنها باعتبارها تشكل بالرغم من كل الشوائب وسيلة لاصلاح الاوضاع ومنع مزيد من تدهورها وفي الوقت نفسه تحضير الشروط الفضلى لتناوب اكثر ايجابية واكثر عطاء. وفي الواقع فإنه بعد مرور سنتين على هذه التجربة, يبدو ان هذا النقاش قد تم تجاوزه فالتناوب في حد ذاته يشكل احدى خصائص الديمقراطية ومن ثم فإن النقائص المرتبطة به لاينبغي ان تحجب المبدأ في حد ذاته, فالسؤال المركزي المطروح انما يكمن في معرفة مدى قدرة هذه الحكومة على اعطاء التصريح الذي التزمت به امام البرلمان محتوى عمليا وقد ركز التصريح سواء منه الاول الذي قدم لطلب الثقة, او الثاني الذي اعد مؤخرا بعد تصاعد الانتقادات ضد عمل الحكومة على عزم هذه الاخيرة على القيام بعدة اجراءات يمكن تلخيصها في المحاور التالية: يركز المحور الاول على اقرار مناخ ديمقراطي يدعم دولة الحق والقانون وهو يسعى الى تعميق احترام حقوق الانسان وتحويلها الى ممارسة من خلال تغيير القوانين المتعلقة بالحريات العامة وقانون المسطرة الجنائية, والدفع ببرنامج التربية على حقوق الانسان, واصلاح الاجهزة المكلفة بحماية حقوق الانسان, كما هو امر القضاء الذي وعدت الحكومة بعصرنته, وجعله اكثر قابلية للاستجابة للتطورات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها البلاد, ولاسيما ما يتعلق بحماية المستثمرين, وهو العائق الاساسي الذي يواجه جلب الاستثمارات الى البلاد, وفي السياق نفسه فقد ركز التصريح الحكومي على التخليق, ومعنى ذلك احاطة العمل الاداري والحكومي في تمفصلاته المختلفة بالاخلاق الضرورية التي تركز على النزاهة والشفافية, وذلك لمحاربة الفساد المستشري في الكثير من القطاعات الاقتصادية والاجتماعية, واخيرا يركز المحور الاقتصادي والاجتماعي على منحيين اساسيين: يتمثل المنحى الاول في القيام بمجموعة من الاجراءات الهادفة إلى انعاش الاقتصاد, ويتم ذلك من خلال المحافظة على التوازنات المالية الاساسية حتى يتم تجنب التضخم, وكذلك خلق المناخ الملائم لجلب الاستثمارات الوطنية والدولية من خلال حوافز تشجيعية على ذلك, والقيام بسلسلة من الاصلاحات داخل القطاعات الاستراتيجية حتى يتم تأهيلها لمواجهة التحديات المرتبطة بتطور المحيط الدولي, لكن اهم ما اشار اليه التصريح, وكنتيجة لطبيعة الحكومة, انما يتمثل في الالتزام بعدة اصلاحات في المجال الاجتماعي, وهو الامر الذي يفرض نفسه بفعل الخصاص الاجتماعي الهائل الذي ترتب خلال السنوات الماضية. وقد تم ادراج عدد من المقترحات في هذا الصدد منها ما يتعلق بمواجهة معضلة التربية والتكوين من خلال القيام باصلاح شامل لها, ومنها ما يخص بمواجهة البطالة من خلال استمرار مسلسل التحديث المؤسساتي ومراجعة المساطر الادارية المرتبطة بعملية الاستثمار, والاهتمام بالمقاولة الصغرى والمتوسطة, واعادة النظر في النصوص المتعلقة بالمقاولين الشباب, وكذلك انشاء الوكالة الوطنية لانعاش الاستثمار, والوكالة الخاصة بالشغل علاوة على القيام بحملات التضامن المباشرة من اجل محاربة الفقر, ولاسيما في المجال القروي الذي يعرف ارتفاعا ملموسا بصفة عامة, فان التصريح الحكومي عبر عن ارادة لفتح ورشات في كافة المجالات, وهو الامر الذي بدأ في حد ذاته للكثيرين, وكأنه غير واقعي, لاسيما انه لم يطرح بشكل موضوعي الامكانيات التي تتوفر عليها الحكومة للتدخل في كافة هذه المجالات, فما هي حصيلة هاتين السنتين من ممارسة الحكومة؟ بصفة عامة يلاحظ, ان انجازات الحكومة بدأت اكثر ايجابية واكثر وضوحا في المجالات الاقتصادية البحتة, ولاسيما في المحافظة على التوازنات المالية لهذا الاقتصاد, فنسبة التضخم لم تتجاوز 1%, كذلك بلوغ الاستثمارات الاجنبية مستوى قياسيا وصل إلى 1.7 مليار دولار, فضلا عن ذلك فقد سجل الاستثمار الوطني تقدما ملموسا, ودون الدخول في كافة تفاصيل المؤشرات الاقتصادية المختلفة, يمكن القول انه تم التحكم في التوازنات المالية الاساسية واستقرار الاطار الاجمالي للاقتصاد الوطني, وبصفة عامة فقد شهدت البلاد خلال هذه المرحلة بعض الانجازات الاجتماعية, لكن في الوقت نفسه فقد تنامت الاحتجاجات, وبرز واضحا ان الوتيرة الذي تشتغل بها الحكومة لا يمكن ان تكون حاسمة في القضاء على الاختلالات والمعوقات المتنوعة التي يعرفها الاقتصاد والمجتمع, ومن ثم فقد بدأ يسود نوع من الاحباط في قدرة الحكومة بصيغتها الحالية على ممارسة التغيير الذي وعدت به. وقد بدأ هذا الشعور يتركز مع تربع الملك محمد السادس على العرش حيث بدا واضحا ان الاصلاحات التي قام بها, ولاسيما تلك المتعلقة بمفهومه الجديد للسلطة من خلال اقصاء الرجل القوي وزير الداخلية الاسبق ادريس البصري, وتغيير عدد من العمال, اضافة إلى نهج اسلوب التقارب في معالجة الملفات الاجتماعية فهذه الاصلاحات أظهرت الحكومة ـ عند البعض ـ وكأنها غير قادرة على مسايرة نهج الملك. وفي الواقع ينبغي الاقرار ان الحكومة قد فتحت الكثير من الورشات الاصلاحية, لكن في جوهرها تتطلب مجهودات جبارة, ان لم نقل وقتا كافيا لكي تعطي ثمارها. الأمر الذي يظهر الحكومة وكأنها لم تغير أي شيء, خاصة إذا أدركنا ان البطالة التي تعتبر الهاجس الأساسي لكافة العائلات والمواطنين قد شهدت ارتفاعا, مما يعني ان الاقتصاد لم يتمكن بعد من استيعاب الآليات التي تسمح له بتوفير فرص الشغل, وبالتالي ادماج الأشخاص الموجودين في حالة البطالة, وخاصة الخريجين منهم, في نفس الاتجاه, فإن ظاهرة الفقر بصرف النظر عن حملات التضامن, لم تعرف معالجة جوهرية يمكن ان تحد من انعكاساتها السلبية. ما هي العوامل الكامنة وراء هذه المحدودية؟ يرجع البعض ذلك إلى طبيعة تركيب الحكومة, فبفعل افرازات الانتخابات التشريعية, فلم يكن بالامكان تشكيل حكومة دون تحالف يضم سبعة احزاب, ولارضائها كاملة فقد تم تشكيل حكومة متضخمة تتكون من أكثر من أربعين عضوا, من بينهم أعضاء لا ينتمون إلى أي حزب بل وصفوا بوزراء السيادة, اعتبارا لكونهم يسيرون وزارات ذات حساسية خاصة كما هو الأمر بالنسبة للداخلية والعدل والأوقاف والشئون الاسلامية والخارجية والتعاون, لكن هل هذا العدد يعتبر وحده المعرقل للعمل الحكومي؟ يرفض البعض ذلك, ويعزو هذه المحدودية إلى استمرار وجود جيوب للمقاومة موروثة ترفض التغيير, وتسعى ولو في الخفاء إلى الابقاء على الوضع الراهن, وقد كانت اصابع الاتهام توجه بالخصوص إلى وزير الداخلية الأسبق ادريس البصري الذي تم اعفاؤه, والذي كان يسيطر على شبكة واسعة من الفاعلين خاصة على مستوى تنفيذ القرارات. لكن يظهر ان هذه التفسيرات ليست كافية لابراز المصاعب التي تعاني منها الحكومة في تحقيق التغيير الموعود, وفي هذا السياق يرى البعض ان الأمر يتعلق من جديد بالظروف التي تم فيها تشكيل الحكومة, ومن ثم لا مناص من البدء في تعديل القوانين الانتخابية حتى يتسنى اجراء انتخابات نزيهة يمكن ان تفرز خريطة سياسية واضحة. غير ان هناك اتجاها آخر يفسر ذلك بالمنهجية التي تبنتها الحكومة في تسيير الأمور, ويدعو بالتالي لتجاوز هذه الوضعية إلى ضرورة تغيير مقاربة الشأن العام, والتحلي بمزيد من الجرأة والشجاعة في التصدي للمشكلات, ولا سيما منها تلك الملفات الشائكة المتعلقة بتدبير الشأن العام. بصفة عامة, وفي الوقت الذي تنهي فيه الحكومة سنتين من ممارستها, يبدو واضحا ان هناك اتفاقا عاما على ضرورة تغيير الكيفية التي تمت بها معالجة الأمور, ويظهر جليا ان تعديل الحكومة الحالية أصبح واردا, ولكن في انتظار ذلك تبقى أسئلة كثيرة مطروحة حول هذا الموضوع, أسئلة يحفل بها الشارع السياسي المغربي الذي يتطلع إلى وضع حلول لكثير من مشكلاته.