بقلم ـ محمد الخولي مازلنا على قناعة بأنه من واجب الاوساط الاكاديمية ودوائر صنع القرار في العالم العربي ان تولي مزيدا من الاهتمام لما وصفناه بأنه مدرسة المراجعة والتنقيح وإعادة النظر في التاريخ الاسرائيلي, وهو الاتجاه الذي يقوده نفر من محدثي المؤرخين في الكيان العبري ويحاولون من خلاله ان يعيدوا كتابة تاريخ الحركة الصهيونية وحوليات التاريخ ، الاسرائيلي في مسعى من جانبهم لازالة الاوهام والاساطير التي عمدت اجيال من مؤرخي اسرائيل الى الصاقها عمدا وقسرا وتزييفا لوقائع الصراع العربي ـ الاسرائيلي, بما ارتبط بذلك التزييف من غمط للحق العربي وتشويه نضالات شعبنا العربي في فلسطين بل وطمس حقائق التاريخ البشري. ويكفي دلالة على هذا التزييف وتجسيدا لخبثه ذلك التصريح المعروف والمنسوب الى جولدا مائير وهي من مؤسسي مشروع الاستيطان الاسرائيلي الذي قالت فيه (عندما جئت الى هذه الارض (فلسطين) لم أجد فيها شعبا اسمه (الفلسطينيون) . المشروع والتوراة ولا أدل بداهة على التزييف الذي ذكرنا من ان السيدة المذكورة جاءت الى قلب الوطن العربي في جنوب منطقة الشام مهاجرة من شرق اوروبا تحمل في يمناها مشروعا امبرياليا للاستيطان وتحمل في يسراها حزمة من الاساطير المنسوبة الى الثورة والحافلة بما اصطنعوه من وعد تاريخي وعنصرية مقيتة تحت شعار (شعب الله المختار) ولكم ظلوا يغذون الاجيال الصهيونية التي شبت وتربت في اسرائيل منذ سنوات السلب الاولى في اواخر الاربعينيات بتلك الاساطير المنحوتة من تراث التعصب الصهيوني, وهي في التحليل الاخير مفتريات على الحقيقة وعلى الواقع وعلى التاريخ. من هنا يحق للكاتب الصحفي الامريكي (ايثان برونر) ان يصف النتائج الفكرية التي خلصت اليها مدرسة المراجعة والتنقيح التي المحنا اليها بأنها تشكل نقطة تحول بارزة في النسق التاريخي لاسرائيل وفي رؤية اسرائيل لنفسها. كتابان مهمان كتب الاستاذ برونر هذه العبارات في معرض تحليله النقدي لكتابين نحب في هذا السياق ان نلفت النظر اليهما, سواء على مستوى الاكاديميا العربية او على صعيد صنع القرار السياسي في الوطن العربي والكتابان هما: 1 ـ الجدار الحديدي: اسرائيل والعالم العربي منذ 1948.. وهو من تأليف المؤرخ آفي شلايم استاذ التاريخ في جامعة اكسفورد بانجلترا. 2 ـ الضحايا على حق: تاريخ الصراع الصهيوني ـ العربي (1881 ـ 1999) وهو من وضع مؤرخ اخر اسمه بيني موريس. محاولة انقاذ الحقيقة ولقد صدر الكتابان ضمن سلسلة دراسات وكتابات اثارت ومازالت تثير ضجة اقرب الى العاصفة داخل اسرائيل لان بعض حلقاتها تحاول ان تنصف التاريخ وتستنقذ الحقيقة وسط مستنقع الوهم لا حبا في سواد العيون العربية, كما نؤكد من باب التحوط والاحتراز, ولكن في محاولة لتوخي نوع من الموضوعية في سرد وتقييم الوقائع, وربما وصولا الى جيل اسرائيلي يطل على الامور من منظور اقرب الى الواقعية بعيدا عن ميجالومينيا العظمة وبارانويا الاضطهاد وجنون العنصرية وهو الجيل الذي طالما ربوه وفطموه على مقولة الفيلسوف الفرنسي ارنست رينانو (1823 ـ 1892). (الامة هي جماعة من الناس توحدهم نظرة مغلوطة للماضي ويؤلف بينهم بغض يساورهم لجيرانهم) . فأما بغض الجيران فذلك بدهي ويستمد بداهته من انهم فرضوا جيرتهم ومشروعهم قسرا, وبالخديعة والتواطؤ الدولي والإرهاب على هؤلاء الجيران, وكان طبيعيا ان يشتعل بين الطرفين اربع حروب ما إن وضعت اوزارها حتى اشتعلت ومازالت تشتعل بدلا منها حرب اقليمية باردة فيها ما تحويه الحرب عادة من توجس متبادل وترصد وشك وترقب مشترك. نزهات صهيونية ولقد سبق لنا (كاتب السطور) ان عرضنا لموضوع الكتب المدرسية التي صدرت في اسرائيل في شهر سبتمبر الماضي ـ بداية العام الدراسي الحالي ـ واشرنا في حينه ـ وكنا في زيارة وقتها للولايات المتحدة ـ الى المعارضة التي لقيتها هذه الكتب الجديدة التي تحاول ان تأخذ ولو في نطاق محدود.. بتلابيب الموضوعية كيلا ينتج عنه جيل اسرائيلي يتغذى على الوهم ويتعيش على الاسطورة ويبتعد من ثم في سلوكياته وفي رؤاه عن ارض الواقع ويتصور بالتالي انه بمنأى عن الأذى او الضعف او حتى الهزيمة عند المواجهة. وليس من شك في ان الذين انتجوا الكتب المذكورة تأملوا مليا في وقائع العقود الثلاثة الاخيرة من القرن العشرين.. وقد حققوا نصرا كاسحا كسروا به آلة العرب الحربية عام 1967 لكنهم لم يكسروا ارادة العرب ولا نالوا من تصميمهم على الصمود ومعاودة المواجهة في ساحة القتال.. ولقد تحققوا في جبهتي قناة السويس والجولان من سقوط اسطورة الجيش الاسرائيلي الذي لا يقهر. ولقد ادركوا بيقين كيف ان كل شعارات المسالمة ومخططات التسوية ـ مهما رعتها أمريكا وهي اقوى قوة في التاريخ.. لا تنتج الا وقفا لاطلاق النار يطل او يقصر امده او هي هدنة مرحلية يحفها التوتر الشديد والبغض المشحون والرفض الشعبي الكاسح سواء جاء هذا الرفض على هوى الحكومات او على غير هواها. ثم ايقنوا ـ وهذه معطيات الواقع اليومي الحي المعاش حاليا ـ كيف ان جماعات من مقاتلي الحركة الوطنية في جنوب لبنان بالذات يمكن ان تقض مضاجعهم وتدخل سكانهم رهيني المحابس والملاجىء في شمال اسرائيل وتحول الحدود التي رسموها بليل وغدر الى خطوط من النيران وتجعل من مناجزة العدو الصهيوني المتغطرس عملا فدائيا وجماهيريا وذكيا وايمانيا ومؤثرا في آن واحد. محاولات التنقيح من هنا جاءت الكتب الاسرائيلية الجديدة تقول للجيل الناشئ في اسرائيل: ان الفلسطينيين ليسوا مجرد عينة ديمجرافية او شتاتا من البشر المشتت الهوية بل ان كلمة فلسطين انما تشير الى شعب من جهة والى حركة وطنية لها جذور في الارض وفي التاريخ وفي الواقع من جهة اخرى. وان ما صوره الصهاينة من قبل من انتصارهم في حرب اغتصاب 48 كان كاسحا ازاء هروب العرب من قرى فلسطين, كان يقوم على حقائق مغلوطة, والذي حدث ان كانت هناك مقاومة عربية, ولكنها تمت امام ارهاب دموي صهيوني وازاء تفوق اسرائيلي تجسد فيما حصل عليه قادة الحركة الصهيونية وقتها من المزيد من المحاربين المدربين (في اوروبا وامريكا) مما اعطاهم ميزة اعلى بالنسبة للعرب منذ الاسابيع الاولى للقتال (الكاتب ايثان برونر ـ ملحق نقد الكتب ـ نيويورك تايمز 1999/11/6). لا عجب ان يثير صدور هذه الكتابات التاريخية الجديدة غضب اركان المؤسسة الصهيونية التي وصفتها بأنها (تتيح تدفق الخطر الى عقول الاطفال في الصف الاول الدراسي) وبأنها (تدمر الروح المعنوية الصهيونية) . سؤال هام وهنا يثور السؤال على وجه التحديد ـ كيف كان التاريخ التقليدي يصور بدايات ومنطلقات المشروع الاسرائيلي؟ إننا نحرص على أن نستقي الإجابة من عبارات الكاتب الامريكي بوثر نفسه حين يقول: كانوا يصورون الصهيونية على أنها حركة نقية, تكاد تكون ساذجة (بمعنى العفوية أو الاخلاص الشديد) قام بها نفر من شباب الاشتراكيين الذين هربوا من ربقة معاداة السامية (بغض اليهود) وهو التيار الذي بدأت بواكيره تلوح في آفاق اوروبا منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر.. ومن ثم تمثلت مآربهم في العودة الى فلسطين, مهد اسلافهم الاولين التي صوروها (وصورها التاريخ المتعارف عليه لاسرائيل) بانها كانت رقعة من الارض تعيش على ظهرها جماعة يهودية قليلة العدد جنبا الى جنب مع جماعة عربية يزيد عددها ولكن لا يؤبه بها ولا يحسب لها ـ كما قالوا ـ أي حساب. ثم تمضي الرواية المتعارف عليها لتقول: (والذي حدث هو أن الصهاينة (الرواد القادمون من اوروبا) اشتروا مساحات من الاراضي بأسعار باهظة (ولنا ان نفتح قوسا نتساءل: من أين جاءوا بهذا الشيء الفلاني الذي دفعوه؟ .. وكيف يستقيم هذا التمويل الباهظ مع حكاية النقاء الى حد السذاجة كما يدعون؟!),.. وبعد ان قام النازي بإبادة ثلث الشعب اليهودي خلال الحرب العالمية الثانية تحقق المجتمع الدولي من محنة اليهود وكان التصويت في الامم المتحدة على قرار تقسيم فلسطين عام 1947 بإعطاء دولة لليهود ودولة أخرى للعرب. فأما اليهود ـ تمضي الرواية وتذكر أنها اسرائيلية ـ فقد حمدوا وشكروا وهللوا وكبروا, في حين ان العرب أعماهم الحق والبغض واستبدت بهم نوازع الكبر والغرور فأعلنوا الحرب عام 1948 على الدولة العبرية الصغيرة البادئة المستضعفة, ولكنها استطاعت هزيمة جيوشهم الجبارة العاتية!! فما كان من الحكومات العربية الا ان دعت عرب فلسطين الى ترك ديارهم كي يخلو الساحة للجيوش العربية لمواصلة القتال, وهذه الحركة من جانب حكومات العرب هي السبب في خلق آلاف مؤلفة من اللاجئين الفلسطينين. وتصل الرواية الاسرائىلية الى القول بأنه: وعندما وضعت الحرب اوزارها حاولت اسرائيل أن تصنع السلام مع جيرانها ولكنهم رفضوا يدها الممتدة بغصن الزيتون! وبدلا من ذلك عمد العرب الى استغلال شرير لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين.. الخ. وجاء عقد الثمانينات هكذا كانت الرؤية والرواية الصهيونية لوقائع ما حدث منذ سنوات السلب الاولى التي تعاصرت مع تأسيس اسرائىل.. وكم كتب المؤرخون العرب ومعهم مؤرخون واساتذة منصفون لم يكن أولهم الاستاذ الانجليزي ارنولد تويني ولا كان آخرهم الاستاذ الفرنسي رجاء جارودي.. كم كتبوا يفندون هذا الافتراء على التاريخ ويحاولون أن يجلوا ولو إلى حد ما وجه الحقيقة, ولكن ولا حياة لمن تنادي.. أو ان الصهاينة ومن يتعاون معهم في أوروبا وأمريكا من سندة المشروع الصهيوني والمنتفعين منه كانوا يعمدون الى ازهاق الحقيقة وخنق صوت المنادي بها. لكن عندما حل عقد الثمانينات من القرن العشرين تقرر فتح ارشيف المحفوظات في اسرائىل, واتيح سبيل الاطلاع على المستندات الاصلية لا بالنسبة لآجيال مؤرخي التزييف الذين كانوا اقرب الى الخدم في معية المؤسسة العسكرية الصهوينة, ولكن امام جيل جديد من المؤرخين الذين تعلموا وتدربوا خارج المؤسسة المذكورة (آفية شلايم الاستاذ في اكسفورد نموذج لهذا الجيل) وكان أن بدأت التساؤلات العلمية محفوظة بعوامل التشكك ورغبة التحقق والتمحيص والمراجعة والتنقيح. وفي هذا الاطار ولد الاتجاه التاريخي الذي حمل اسمه الشهير في الحوليات الاسرائىلية: (التاريخ الجديد) . وكان طبيعيا أن يثير من العواصف ما أثار, ذلك لأن التاريخ القديم.. التقليدي والمتواتر أو المتعارف عليه كما اسميناه, او هو التاريخ الرسمي المعتمد من المؤسسة الصهيونية, كان يقوم على أساس بطولات ومعجزات, وحين كان يطرح تساؤلا أي تساؤل.. كان الاستفسار يدور محور حول وحيد هو: كيف تحققت المعجزة؟ ماذا تقول الملفات؟ بيد أن التاريخ الجديد (الذي أشرنا اليه) يقول بادىء ذي بدء أن الامر لم ينطو على معجزة ولا يحزنون, ويكاد العكس يكون هو الصحيح كما ثبت من الوثائق التي تم الافراج عنها وأمكن الاطلاع على مضمونها. ان هذه المستندات ـ يضيف المؤرخون الجدد ـ تحوي قرائن جلية واضحة على صفقات مزدوجة تمت واتفاقات مشبوهة أبرمت ومخططات خبيثة وضعت من أجل نقل (ترالسفير) العرب الى خارج ارض فلسطين, فضلا عن رفض كل ما لاح في تلك الفترة (أواخر الاربعينيات ـ مطالع الخمسينيات) من محاولات أو مشاريع السلام وفي هذا السياق بالذات, ومن المهم أن ننقل لك سطورا ـ بالنص ـ من صفحات كتاب الاستاذ شلايم (الجدار الحديدي) وهذه السطور تقول: ان المؤرخين التنقيحيين في اسرائىل يعتقدون ان اسرائىل كانت في اعقاب حرب 48 هي الطرف المتعنت باكثر مما كانت الدول العربية, وانها من ثم تحمل جانبا أكبر من المسئولية عن وصول السياسة الى الطريق المسدود الذي بلغته في اعقاب انتهاء العمليات الحربية.. ان ملفات وزارة الخارجية الاسرائىلية حاشدة حتى الحافة بقرائن واسانيد تشهد بمفاتحات عربية للتوصل الى سلام واستعداد من جانب العرب للتفاوض مع اسرئىل ابتداء من سبتمبر 1948 فصاعدا. وتلك شهادة من مؤرخ اسرائىل أو صهيوني أو يهودي يعمل استاذا في اكسفورد. وقد حرص المؤلف المذكور ان يختار عنوانا لكتابه الذي يحمل اليه عبارة (الجدار الحديدي) وكم تبادر الى ذهننا للوهلة الاولى ان البروفيسور شلامي يشير في العنوان الى عبارة ولستون تشرشل الشهيرة (الستار الحديدي) التي اطلقها بعد الحرب العالمية الثانية على عزلة الاتحاد السوفييتي وتوابعه من دول وشعوب شرق اوروبا. لكننا ادركنا ان الاشارة كانت أعمق غورا وأفصح دلالة وانها مستقاة من تاريخ جابوتنسكي الذي يعدونه الأب الروحي للارهاب الصهيوني والتفصيل في الجزء الأخير من هذا المبحث. ملحوظة مهمة: (عندما حل عقد الثمانينيات من القرن العشرين تقرر فتح ارشيف المحفوظات في اسرائىل, واتيح سبيل الاطلاع على المستندات الاصلية لا بالنسبة لأجيال مؤرخي التزييف الذين كانوا اقرب الى الخدم في معية المؤسسة العسكرية الصهيونية, ولكن أمام جيل جديد من المؤرخين) .