واضح ان عملية التسوية بين العرب واسرائيل التي تواجه مأزقا شديدا, قد انتقلت من قاعات المفاوضات المغلقة إلى اجتماعات القيادات السياسية والبيانات العلنية, وهي تترافق مع استخدام كل الضغوط السياسية المتاحة على بوابات الحسم النهائي باتجاه حلول باتت قريبة أو تداعيات عنيفة يصعب ضبطها حتى من قبل (المايسترو) الامريكي المهيمن على القمة العالمية . فقد كان واضحا قبل اسابيع قليلة ان الانتكاسة السياسية على المسار السوري ـ اللبناني, ادت إلى انفجار عسكري في لبنان كاد يتحول إلى حرب شاملة, ثم امكن ضبط الصراع, وقد سعت اسرائيل إلى التهديد والوعيد في محاولة لالغاء أو تحجيم المقاومة اللبنانية الباسلة التي تشكل احد اهم اوراق التفاوض العربية الان على هذا المسار, لكن هذه المحاولة فشلت وبدت المقاومة اكثر اصرارا وفاعلية, كما صدرت تصريحات من بيروت ودمشق معا تنبه اسرائيل إلى امكانيات البلدين على تبادل الضرب بالعمق مع العدو مما يعني الاستعداد للمواجهة الشاملة. وبالاضافة إلى هذه المواقف الثابتة جاء الالتفاف العربي حول بيروت ودمشق ليزيد من القوة التفاوضية العربية على هذا المسار, وكان واضحا ان استمرار هذه التداعيات سيدفع إلى موقف عربي موحد ضد التسوية وعمليات التطبيع يصدر عن مؤتمر وزراء الخارجية العرب المقرر انعقاده بعد ايام في العاصمة اللبنانية. الحكاية نفسها تكررت على المسار الفلسطيني, واضافت عوامل جديدة لضرورة تصليب الموقف العربي ولاحتمالات انفجار عملية التسوية كلها في وجه اسرائيل وواشنطن المستفيدتين الاساسيتين من لعبة التسوية الراهنة. هنا حاولت اسرائيل استعادة زمام المبادرة, وتوالت خلال ايام قليلة عمليتان متكاملتان: الاولى اعتراف باراك الصريح لاول مرة (بوديعة رابين) اما العملية الثانية فكانت قرار الحكومة الاسرائيلية بالانسحاب من جنوب لبنان إلى الحدود الدولية في موعد اقصاه يوليو المقبل. ثم سارعت سوريا إلى الترحيب بأي انسحاب اسرائيلي من لبنان غير مشروط إلى الحدود الدولية واستنادا إلى قرارات الامم المتحدة, بينما شدد مسئولون لبنانيون على استمرار تلازم المسارين, واكد حزب الله استعداده للمواجهة مع اسرائيل (ازاء اي اعتداد على الاراضي اللبنانية) . وانطلقت في الدولة الصهيونية على الفور تصريحات تبدو متناقضة حول الامل بتسوية قريبة دون تجاهل عقبات قد تؤدي لانهيار كل شيء. ذلك كله يؤكد ان المفاوضات التي قطعت على المسار السوري ـ اللبناني 90% من عملية التسوية مهددة بمفاصل اساسية تتعلق بالصورة النهائية للحدود والترتيبات الامنية المقترحة, وهي قد تنتهي خلال اسابيع إلى حل لكنها قد تؤدي إلى انهيار كل شىء, والمهم ان تبقى الارادة العربية متمسكة بثوابتها المعلنة لان ذلك السبيل الوحيد للحيلولة دون التوسع والهيمنة الاسرائيلية وتصدير الصراعات إلى الداخل العربي مرة اخرى.