كثر الكلام عن انسحاب (اسرائيلي) من جانب واحد يضع المنطقة في حالة توتر مستمر, وربما على حافة انفجار كبير, اذا لم تستأنف المفاوضات على المسار السوري ـ الاسرائيلي, واللبناني ـ الاسرائيلي وتفضي الى اتفاق, فهل لهذا التوجه مصداقية عبر شلال الكذب الصهيوني المتدفق مع مرور الزمن كشلالات نياجارا!!؟ نعم ان في الواقع من المعطيات ما يجعل الانسحاب حقيقة والتهديد الذي يرافقه واقعا محتملا, بل عملا يخطط له وصفوا المقاومة الوطنية اللبنانية بالارهاب, ولم يدينوا التهديد النازي الجديد, وعلى رأسهم صهيونيان يمثلان دولتين مؤثرتين ـ ولا عجب في زمن الاعاجيب وضعف العرب ـ احداهما ترعى مسار المفاوضات ومؤتمر مدريد وهي الولايات المتحدة الامريكية, ونطقت باسمها الصهيونية اولبرايت, والثانية ترعى تفاهم ابريل وتشارك في رئاسته وهي فرنسا ونطق باسمها ليونيل جوسبان ذو الاصول اليهودية والنزعة الصهيونية؟ من المسلم به اولا ان المنطقة الحدودية بين فلسطين المحتلة ولبنان لم ينقطع فيها التوتر, ولم يتوقف فيها القصف الصهيوني, ولا التهديد بعمليات تدمير اشد, وكان آخره التهديد بحرق تراب لبنان, وهو تهديد سبق خطاب الدم والنار وقتل الاطفال الذي قدمه في الكنيست التلميذ النازي الجديد ديفيد ليفي, ولقي مباركة من رئيس حكومة الكيان الصهيوني الذي وصفه بالاعتدال!؟ كما ان المقاومة المشروعة التي يشنها حزب الله على قوى الاحتلال منذ سنوات لم تتوقف هي الاخرى واصبحت اكثر جدوى وابلغ اثرا واقل خسائر, ومن المعروف ايضا ان قوة الاحتلال قامت, خلال العقود الثلاثة الماضية, بأكثر من اجتياح لجنوب لبنان والبقاع الغربي وحاصرت بيروت ذاتها وكادت تقطع خط بيروت دمشق لولا صمود القوات السورية واستبسالها هناك, فالتوتر اذن هو السمة التي تنسحب على هذه المنطقة منذ قيام الكيان الصهيوني فيها, وقد ارتفعت وتيرة ذلك بشكل ملحوظ منذ قرر قادة (اسرائيل) تطبيق حلم مؤسسي الكيان الصهيوني الاول بايجاد نقيب طائفي يجندونه عميلا في الجنوب, بهدف اقامة دولة لبنانية حليفة لاسرائيل مشروع بشير الجميل تكون اول دولة عربية تعترف بالكيان الصهيوني وتتشابه معه, فكان ان وجدوا سعد حداد وجندوه فأقام لهم ميليشيا يحارون اليوم بمصيرها بعد افلاس انطوان لحد ومقتل العميل عقل هاشم, وقرارهم الانسحاب هربا من الخسائر, ويتوقعون هروب عناصرها في أي لحظة, ويجدون أمامهم حقيقة ناصعة مناقضة كليا للحلم الصهيوني, وهي ان لبنان سوف يكون آخر دولة عربية يمكن ان تعترف بهم, وانه لن يكون شريكا لهم في أي من الصفات والمجالات التي كانوا يتطلعون اليها ويحلمون بها. ما أراه واقعا ومحتمل الحدوث قريبا, وضرورة صهيونية ـ اسرائيلية قصوى, هو انسحاب (اسرائيلي) من جنوب لبنان, كئيب وذليل تماما, تعد العدة له, وسوف يحدث في اقرب مما نتصور, و في مدة اقصر مما يعلن باراك, واذا كان انسحابا من جانب واحد فان العدو سوف يحتفظ ببعض المواقع الاستراتيجية من ارض الجنوب, الامر الذي يسوغ استمرار عمليات حزب الله لتحرير مواقع محتلة في الجنوب الى جانب القرى السبع التي ضمها العدو منذ عام 1949. وفي هذه الحالة سيجد العدو المحتل نفسه امام صواريخ الكاتيوشا التي يتجاوز مدى اصابتها (كريات شمونة) ليصل الى محيط حيفا وقطاعها الممتد من الساحل الى الجليل, وسيجد لنفسه في المقابل مسوغا لتنفيذ تهديداته الوحشية التي عبر عنها ديفيد ليفي, مدفوعا ومباركا من باراك, بحرق تراب لبنان وقتل اطفاله, كما سيجد منفذا لتجسيد قول باراك الاشد عنصرية ووحشية, حين اكد قبل ايام انه سيسحب قواته من جنوب لبنان من دون اتفاق, ولكنه (لا ينصح مخلوقا على وجه الارض بالتعرض لما ستقوم به اسرائيل من رد في حال تعرضها لصواريخ الكاتيوشا! المستند المرعي الاعتبار عند العدو الصهيوني في الاحوال جميعا هو القوة التدميرية المرافقة بشحنات من الحقد العنصري والنزوع لاشباع عقدة النقص, التي جعلت الصهيوني الجبان يتماهى بالنازي الهتلري ويتشبه به ويحاول ان يعوض ذاته الضائعة في ممارسات وحشية بشعة,, اغرقته هو في مستنقع من الوحل والخيبة والذل, واغرقت لبنان في دم ونار وظلام ودمار, وجرت على سكان الجنوب بؤسا والما شديدين, ولكنها خرجتهم من مدرسة البؤس والحرمان ابطالا شراة ينشدون الخلاص من نير الاحتلال ببذل الدم والتضحية, ويقاومون بضراوة من اجل الارض والحق والكرامة, وقد كتب عليهم الجهاد كما كتب على الذين من قبلهم, فجاهدوا بأرواحهم وأموالهم, ومنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر, وما بدلوا تبديلا. ولكن السؤال الأهم: اي الطريقين يتم سلوكها ياترى: طريق الانسحاب على أرضية تفاوض يفضي الى اتفاق قد ينتج عنه هدوء, ام طريق انسحاب من دون اتفاق يفضي الى توتر مستمر ودم ودمار ومالا نعرف من اخطار واضرار؟! اي المنطقين ينتصر: منطق العدوان والاحتلال, ام منطق المقاومة المشروعة ضد الاحتلال, مهما كانت التكلفة؟! ان الدلائل تشير الى ان باراك يفضل انسحابا من جنوب لبنان على أرضية اتفاق تفضي اليه المفاوضات على المسارين السوري واللبناني, ولكنه لا يجرؤ اولا يستطيع او لا يريد, ان يقدم على اتخاذ القرار, الذي لا يمكن ان يتم تقدم في المفاوضات من دون اتخاذه, وهو الانسحاب التام والشامل لمدنييه قبل عسكرييه, حتى حدود الرابع من يونيو 1967 ورسم الحدود مع سوريا على هذا الاساس, والانسحاب التام من جنوب لبنان مع ما قد يثار حول القرى السبع من مطالب لبنانية مشروعة؟! وأيا كانت الاسباب التي تكمن وراء سلوك باراك, فانه يبدو مناورا ومخادعا بالطبيعة او بالولادة او بالانتماء, يلوذ بأشكال من الكذب والخديعة أوقعته في النهاية ضحية ما كان يعده شطارة أو مهارة في التفاوض مع السوريين؟! ان الوضع الداخلي الذي يواجهه باراك ليس سهلا, ولكن التغلب عليه ليس مستحيلا, فحين يعطي لحزب (شاس) ما يطلبه من مال وصلاحيات ونفوذ في بعض المواقع, كما فعل قبل (شيبردزتاون) , يكسب الجولة في الكنيست ويحبط مشروع القانون العنصري الذي تقدم به سلفان شالوم, وحين يربط موضوعات هامة ثلاثة هي (الانسحاب من الجولان, ومن جنوب لبنان, والاتفاق مع سلطة عرفات) في ورقة واحدة, فانه سيجد اكثرية ساحقة تصوت الى جانبه في (استفتاء مدان اصلا, وغير معترف على اي من نتائجه حسب القرارين 242 و338 ومرجعية مدريد) . ولكن باراك يريد ان يقدم, لكل الاطراف في الداخل والخارج, جدول حسابات يبدو معقدا, وان يرسل رسائل تظهره بمظهر الغريق الذي يطلب النجدة, فيكسب مالا وسلاحا وتعطافا من حلفائه, ويزيد درجة ضغط (المتعلقين بالسلام) على كل من سوريا ولبنان لاستئناف المفاوضات (بأي ثمن) , حرصا على عدم اضاعة الفرصة السانحة, التي قد لا تعوض, ولكسب الوقت الضيق المتبقي امام السمسار الامريكي, الذي يوشك على مغادرة مكتبه البيضاوي في البيت الابيض. ما أذهب اليه ان المفاوضات على المسار السوري ـ الاسرائيلي سوف تستأنف بالصيغة التي طلبتها سوريا, اي اقرار مبدأ الانسحاب حتى حدود الرابع من يونيو ورسم الحدود على هذا الاساس, وهو يعني: عودة الحمة والشاطئ الشمالي الشرقي لبحيرة طبرية وحق صيد السمك في مياهنا العذبة, وعودة بانياس والمواقع المعروفة في جبل الشيخ الى السيادة السورية, وترتيب بقية الامور من خلال اللجان المختصة بما لا يجرح الكرامة السورية, ولا يمس سيادتها في اي مفصل من مفاصل تلك السيادة, وبما يحقق انسحابا من جنوب لبنان يضمن للبنان حقه المشروع في استعادة سيادته فوق ارضه, واقدر ان التقدم في هذا الاتجاه لن يتأخر كثيرا ولن تدوم المفاوضات حوله طويلا, فالعشرة بالمئة المتبقية التي ذكرها الرئيس كلينتون ستكون في حدود ثلاثة بالمئة عندما تستأنف الجولة الثالثة من المفاوضات المستأنفة اصلا, لان دبلوماسية الاوراق المتبادلة من تحت الطاولة, عبر الوسيط الامريكي مستمرة, وتحقق تقدما, على الرغم من الغبار الذي يثار في وجه الاعلام لتشتيت الانتباه واسباغ نعمة من الغشاوة على العين الرائية او على الرؤية؟ ولكن.. اذا تم ذلك كذلك.. فهل يقوم في المنطقة سلام, بالمعنى المتعارف عليه للسلام, بين شعوب ودول متجاورة ومستقرة تاريخيا في جغرافية ارض, ومتداخلة اجتماعيا وثقافيا في صلات تاريخ, تتصارع وتتنازع, ثم يؤول الامر بينها الى تسوية وتسليم او سلام؟ هل تقوم علاقات سلام طبيعية بين السوريين والكيان الصهيوني, اذا ما تم التوصل الى اتفاق!؟ هل نرى علما صهيونيا في ثقب من سماء دمشق؟ اكاد افقد صلتي بالبصر والبصيرة.. وعلى الرغم من المشاعر الكابوسية التي ترافق هذا الكلام المدلوق مع المرارة في الحلق وعلى الورق, فإنني لا اتصور ان يقوم اي نوع من السلام الحقيقي بين الكيان الصهيوني وسوريا لانه لا يتوفر لهذا النوع من التسويات اي قدر من العدل والمنطق, اذ لا يوجد حضور تاريخي على جغرافية مشتركة بين الكيان الصهيوني وأهل الشام كل الشام, من جهة, ولا بينه وبين العرب في اطار دولة في مقابل دولة او مجاورة دولة لدولة, ومن ثم فالطبيعي ألا يكون الكيان الصهيوني موجودا لانه قام بالقهر, وسرق وطن الآخرين, والطبيعي ان يعود الفلسطينيون الى وطنهم فلسطين وان يسودوا فيه, وان تعيش بينهم وبين العرب في اقطار الوطن العربي اقليات يهودية لها ما للعرب: مسلمين ومسيحيين, وعليها ما عليهم في ظل تسامح نحن اهله وسدنته عبر التاريخ, وقد اثبت الاسلام انه اهل له, واثبت العرب انهم القادرون على تحقيقه وصونه, اما قيام دولة معسكر للعدوان والامبريالية والنزوع العنصري المريض, والنازية الجديدة فإن ذلك يهدد الامن والسلام في هذه المنطقة بشكل مطلق, ويضع اي مشروع نهضوي او تضامني او وحدوي او اتحاد عربي امام مشروع نقيض ومضاد له تماما وهذا يعني استمرار الصراع وتولده في كل دقيقة من ليل ونهار. ان ما لا يمكن تصوره صداقة بين ضحية وجلاد, وبين صهيوني عنصري وعربي مسالم, وبين (غوييم) ومن ينظر الى الـ (غوييم) نظرة احتقار واستعلاء وهو الاجدر بأن يحتقر ويستعلي عليه نظرا لما له من تاريخ في الارهاب والاجرام.. ولكن الناس هنا ليسوا من طبيعة عنصرية صهيونية نازية تصنف البشر بالطريقة الهتلرية ولذا فهم يترفعون عن الاحتقار والاستعلاء المريض. ان الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة, وان حق الاطفال بالعيش في مناخ آمن واطمئنان وسلام.. ايا كان لونهم او عرقهم او دينهم او انتماؤهم ـ بعيدا عن تهديد ليفي بالقتل لهم ولكل فرصهم بالسعادة والسعادة ـ وان حق الحضارة في ان تنمو بعيدا عن التدمير, ان ذلك كله هو ما يدفعنا لتبني المقاومة المشروعة والعادلة من اجل التحرير والسلام والامن.. من اجل بقاء الاطفال وبقاء العمران وهو ما يدفعنا الى تبني الحرية المسئولة والدفاع عنها في وجه الخطاب الدموي النازي ـ الصهيوني الذي ينتشر حقدا وفاشية, ويتزيا بالديمقراطية ويعادي الانسانية والقيم السليمة, نحن نتبنى المقاومة وندعمها ونشرعها حربا على الطغيان والنازية الجديدة والصهيونية الوحشية لاننا لا نعرف بالضبط متى يقوم هتلر (اسرائيل) باجتياح الدول المجاورة له, كما فعل سابقا على ارضية ما يرتب من (سلام او تسوية) ولذلك فإننا نرفض ان نعترف بحق الفاشية بالوجود فوق هاماتنا, وبحق العنصرية الصهيونية في سرقة وطننا فلسطين والهيمنة على مصائرنا, وجعلنا نلهث خوفا, مجردين من الاسنان والاظفار في مسيرة ترعاها الصهيونية في الولايات المتحدة الامريكية وتمولها, خدمة للصهيونية في اسرائيل. من هنا يأتي ايماننا بأنه لا سلام مع اعداء الحرية والسلام, ولا معدى لنا عن امتلاك القوة المنقذة استنادا الى العلم والايمان والعمل بهما وحرصنا على ان نوجد.. وان نعيش بأمن وكرامة. بقلم: د. علي عقلة عرسان* رئيس اتحاد الكتاب والادباء العرب