بقلم: محمود السعدني الجنرال بينوشيه صاحب الأوسمة التي تزن أكثر من طن, بالرغم من انه لم يدخل معركة واحدة ضد أي جيش, والمعركة الوحيدة التي دخلها وانتصر فيها كانت ضد وطنه وشعبه, في الانقلاب الذي دبره ضد حكومة الرجل الديمقراطي المنتخب من الشعب (الليندي) والمعركة كانت لحساب المخابرات الامريكية ولصالح أم الدنيا على وزن ، ستنا وتاج راسنا الولايات المتحدة الامريكية. وقد حقق فيها الجنرال نصرا ساحقا على اعدائه. اسقط النظام الديمقراطي, وقتل من افراد شعبه 3 آلاف مواطن مدني بين طالب وعامل ومحامي ومهندس, والله وحده يعلم كيف قتلوا وما هي الاداة التي استخدمها القتلة في إزهاق ارواحهم؟ كما أن احدا لا يعرف أين دفنوا, وهل تم دفنهم في قبور جماعية؟ أم أن الجنرال قذف بجثثهم في أعماق المحيط لتحقيق الامن الغذاي للأسماك؟ الجريمة ظاهرة وواضحة وعلى عينك يا تاجر, ومع أني كنت واثقاً منذ اليوم الأول لاحتجازه في لندن بأنه لن يلقى أي عقاب ولن يدخل السجن ولو ساعات. وكيف يحاكم الجنرال والجريمة التي ارتكبها كانت لحساب الولايات المتحدة؟ صاحبة الكرة الارضية وما عليها! استغفر الله! وفي الريف مثلا... من يرتكب جريمة لحساب العمدة لا يلحق به أي ضرر, فما بالك بالمجرم الذي يرتكب جريمة لحساب عمدة الدنيا كلها؟ هل كانت الادارة الامريكية ستسمح بتوقيع العقاب على الجنرال؟ لقد قامت مسز تاتشر اشهر وأقوى رئيس وزراء بريطاني في الاربعين سنة الأخيرة بزيارة الجنرال في مكان تحديد اقامته, وقالت عند خروجها من عنده.. هذا الرجل كان حليفي في حرب فوكلاند, وقدم لنا مساعدات قيمة ولايمكن ان انسى موقفه من بريطانيا في تلك الأيام, يعني بينوشيه ليس زعيما عاديا وليس رئيس دولة مثل دولة مدغشقر في افريقيا أو دولة تشيكيا في اوروبا أو دولة بورما في آسيا ولكنه حليف قوي, في الحرب يسد, وفي السلم ياميت حلاوة عليه وهو قطب له كرامتين, كرامة مع امريكا وكرامة مع بريطانيا.. مع امريكا.. انقذها من حرج شديد فهي زعيمة العالم الحر وكعبة العالم الديمقراطي وقضيتها الاولى هي الديمقراطية وقد أرادت شيلي أن تثبت لأمريكا انها تمشي على دربها فأجرت انتخابات حرة ونزيهة ونظيفة, واذا بالشعب الشيلي يختار زعيما اشتراكيا هو الليندي وهي في نظر امريكا جريمة لا تغتفر, ولكن ماذا تقول أمريكا وكيف تعترض وقد طبقوا اسلوبها في الديمقراطية, اتبعوا تعاليمها ونفذوا ارشاداتها. وربما لم تشعر امريكا بهذا الكم من الحرج كماشعرت به يومئذ, فهي لاترضى عن الليندي ولا ترضى به فكيف تحاربه اذن؟ وكيف تشن عليه حربا اعلامية بلا هوادة؟ لقد جاء الرجل بالديمقراطية وبالديمقراطية حكم.. ولم تستمر حيرة امريكا طويلا, فقد تولى الجنرال بينوشيه تغيير الوضع بالطريقة التي يجيدها. قاد طابورا من الدبابات في شوارع العاصمة واطلق عدة اسراب من الطائرات حلقت فوق قصر رئىس الجمهورية المنتخب, ودكت قصره بمئات من القنابل المدمرة وسقط الرجل قتيلاً تحت انقاض قصره واصبح الجنرال هو الحاكم الفرد لشيلي بقوة المدافع وليس بقوة الناخبين. ولكن أمريكا لا دخل لها بما حدث وهي بريئة من دم الشعب الشيلي براءة الذئب من دم ابن يعقوب. فما حدث في شيلي هي مسألة داخلية, وامريكا ـ استغفر الله ـ لا تتدخل في الشئون الداخلية للدول ولكنها تدع الامور تجري في اعنتها لا تبيتن الإ خالية البال. وحكم الجنرال 17 عاما طويلة فلما سقط الاتحاد السوفييتي استراح الجنرال وترك السلطة واصبح عضوا محترماً في مجلس الشيوخ فالموقف الدولي لم يعد يحتاج الى خدماته ولكنه ظل يرتدي بدلة المارشال وصدره يتزين بطن أوسمة وطن نياشين, بالاضافة الى الحصانة وعهد مكتوب وموقع من الدولة بأن المذكور اعلاه هو مواطن محترم لم يرتكب أي جريمة ولم تمتد يده الى مال حرام, ومن حقه أن يعيش إلى آخر يوم في عمره كريما وسليما, فلا يتعرض له احد ولا يعترض طريقه احد, ولا يسأل أو يستجوبه أو يتهم, ولم يحصل على التعهد أحد من قبله, ولكن حصل عليه من بعده واحد فقط, هو الخواجه يلتسين بتاع الاتحاد السوفييتي أو بمعنى اصح قاتل الاتحاد السوفييتي. هذا هو الجنرال وهذا هو كشف الهيئة تبعه, فهل كان احد من الناس يتصور انه سيحاكم فعلاً ويجري ترحيله الى سجن الاستئناف؟ السذج وحدهم هم الذين تصورا أن الجنرال قد سقط أخيرا في الفخ, وأنه سيشرب من نفس الكأس التي تجرعها ضحاياه, مع أن ماذكرناه وما حصرناه من افضال للسيد الجنرال هو نصف جهود الرجل لأن افضاله على بريطانيا تزيد قليلا على أفضاله للولايات المتحدة لان يد الجنرال الكريمة امتدت لبريطانيا في وقت محنة. عندما نزلت قوات كولونيلات الارجنتين على جزر فوكلاند باعتبارها جزءاً من التراب الارجنتيني, ولكن المرأة الحديدية تاتشر رئىسة وزراء بريطانيا حشدت الجيوش واعلنت التعبئة في الاساطيل البحرية والجوية وقالت قولتها الشهيرة: تقطع يدي ولا تقطع فوكلاند. وعندما وصلت طلائع جيشها الى الشاطىء الآخر من المحيط كانت قد قطعت اكثر من (5000) ميلا بلا توقف وبلا راحة وذلك وصلت منهكة وتعبانة وتعاني من صداع حاد, وكانت هدفا سهلا لطائرات الارجنتين, وفي لحظة من اللحظات تصورت تاتشر انها اخطأت الحساب وأنها اخطأت التصرف وفي تلك اللحظة بالذات امتدت يد الجنرال الى جيش مدام تاتشر بالدعم والمساندة والمساعدة وهو بهذا العمل ليس صديقا فقط لبريطانيا أو حليفا لها ولكنه رفيق سلاح ورفقة السلاح هي اوثق واقوى رفقة في دنيا البشر, ويقولون في الامثال.. يابخت من كان النقيب خاله, والنقباء كثيرون فشيخ الخفراء نقيب وشيخ البلد نقيب والعمدة نقيب والمدير نقيب والمدير العام نقيب عام ويابخت من كان احد هؤلاء خاله, فما بالك بمن كان خاله هو عم الدنيا الولايات المتحدة وعمة الدنيا بريطانيا العظمى العجوز الحيزبون, ولكن بالرغم من ذلك فالعبدلله يرى ان ماحدث للجنرال بينوشيه يكفي وذيادة فهذا الفرعون الذي قتل الآلاف وعذب الآلاف ودفن الآلاف احياء والذي تصور في لحظة من اللحظات أنه هو الذي يحيي ويميت, هذا الرجل عاش في الحبس الاجباري سبعة عشر شهرا طوال والعقوبات انواع والمجرمون ايضا, فإذا كان سيد عجلة بلطجي حي زينهم لا يردعه إلا سجن مدى الحياة, فالجنرال بينوشيه أبو وردة على الخدين وابو شريط أحمر على الساقين يكفيه تمريغ انفه في الرغام واحساسه بأنه لا يستطيع ان يبرح هذا المكان الا بإذن, واعتقد أن هذا يكفي وأنها إنذار الى كل جبار عنيد, ولكن هل يستفيد الجبابرة والطغاة؟ هذا هو السؤال!