كثيراً, ما يخطر ببالنا ان نتساءل عن سبب تراجعنا وتدهور أوضاعنا, في الوقت الذي تسير فيه أمم أخرى, حثيثا, في دروب التقدم ومعارج الرقي. ومن حقنا ان نعرف سر عجز مئات ملايين العرب عن التغلب على بضعة ملايين من اليهود, ولماذا أفلح هؤلاء في كسب قسم كبير من الرأي العام العالمي بفضل تمويهاتهم وتضليلاتهم, حيناً , وانجازاتهم الحضارية الحقيقية, حيناً آخر, بينما نجد ان الورقة الوحيدة التي استطعنا ان نلعب بها على الصعيد العلامي, هي ورقة كوننا مظلومين, واصحاب حق, وجديرين بالعطف والشفقة. ولاشك أن حصر اسباب هذا الوضع الشاذ وتوضيحها يحتاجان الى أكثر من كتاب, وليس إلى مجرد مقال. ولكن من المؤكد أن اعتماد الدول الاخرى على العلماء والمؤهلين والأكفياء في قيادة البلاد وتسلم زمام المناصب الحساسة في الدولة, هو من أهم عوامل تقدمها. وفي المقابل, فإن تركنا هذه المراكز, احيانا, في ايدي المنافقين والانتهازيين الذي يظهرون للدولة ولاء سطحياً. حتى يحصلوا على المناصب التي يسخرونها لمصالحهم الخاصة, هو من ابرز عوامل تردي احوالنا. ولنكن واثقين من ان تولي اشخاص غير أكفاء, مسئوليات بارزة, وتقلدهم وظائف رئيسية ليسوا اهلا لها, يعد من أخطر الظواهر التي تأخذ بخناقنا, تلجم سعينا نحو الانطلاق من اسار التخلف, وتؤدي الى اضعاف بنيتنا السياسية والاجتماعية والعلمية والاقتصادية والثقافية. وعندما تسود هذه الظاهرة الخطيرة, تصاب الأمة بأضرار جسيمة, وتلحق بها خسائر فادحة تنعكس آثارها على جميع المستويات ومختلف القطاعات. فلنتصور وزارة أو مؤسسة أومديرية يتسلم زمامها شخص تعوزه الامكانات الثقافية, ويفتقر الى المقدرات الاختصاصية التي تمكنه من قيادة قارب الادارة التي يسيطر عليها, في طريق النجاح, ففي مثل هذه الحالة, لابد أن تتخبط الادارة في الفوضى, وتغرق في الارتباك, فيضعف مردودها الانتاجي ويصيبها ما يشبه الشلل. وحتى لو كان تحت امرة الرئيس الفاشل غير المؤهل, موظفون أكفاء, فإنهم لايستطيعون إصلاح الأمور ودفعها نحو المسار الصحيح, لانهم لايملكون صلاحية البت والتصرف إلا ضمن دائرة موافقته, وحدود مهمه الضيق, وإدراكه الضعيف, وثقافته الضحلة. ولتعلم أن الرأس هو الأساس والمقياس, فإذا صلح, صلحت باقي الفروع, وإذا فسد, فسدت هي ايضا, وبتعبير آخر, فإن كفاءة المرؤوسين لاتجدي فتيلا وتغدو عديمة الجدوى, في ظل سيطرة الرئىس الأعلى غير المؤهل, والذي يملك وحده اليد الطولى في الحل والربط, ويمسك بعصا الحسم, دون أن يتوافر له من الامكانات ما يجعله قادراً على الرؤية الصحيحة والحكم السديد والادراك السليم. ولنتساءل الان عن سر هذه الظاهرة الخطيرة, ولماذا نجد العديد من المراكز الحساسة في دول عربية ونامية يتبوؤها افراد غير جديرين بها, في الوقت الذي يتم فيه إقصاء اشخاص اخرين احق منهم بها, وأجدر بتوليها؟ ولماذا يحشر أحيانا مثقفون وشرفاء في قاع السلم الوظيفي, ويبقون في الظل أو حتى في الزوايا المظلمة, بينما يجري تكريم الفاشلين, واسناد مراكز المسئولية الى بعض الجهلة من الناس؟ إن الأمر هنا يرتبط بعوامل المصلحة والولاء والنفاق والواسطة فبعض القوى الحاكمة في البلدان النامية تريد أن يحتل المراكز الهامة في الدولة اشخاص موالون لها, يدورون في فلكها, ويسبحون بحمدها ويباركون سلطتها حتى لو كانوا يعجزون عن الاضطلاع الناجح بالمهام الموكلة اليهم. أي أن هذه القوى يهمها أن تبقى مقاليد الأمور تحت امرة افراد تثق بهم, حتى لو أدى هذا الى آضعاف البنية الاساسية للدولة. ولنعلم أن هؤلاء الذين يغرقون في الغنائم ويتمرغون بالمكاسب, ويجوز لهم مالا يجوز لغيرهم, ميرحون ويمرحون على هواهم, ويتحكمون بالآخرين, دون أن يكون لهم أي رصيد من الكفاءة أو خلفية من المقدرة, مستعملين سلاح الولاء, أو ادعاء الولاء للدولة, انما يسيئون الى الوطن إيما اساءة ويحققون مصالحهم الخاصة على حساب مصلحته. وقد اصبح من أهم الضرورات الان ان نسلط الاضواء الكاشفة عليهم, وعلى ظاهرة حلول الصغار والجهلاء محل الكبار والعلماء, في تقلد المناصب وتولي المسئوليات في الدولة, سواء بالولاء أو بالنفاق أو بالواسطة, وان نحاول مكافحتها بلا هوادة, ودون كلل, فالثقافة والمؤهلات العلمية, هي التي يجب أن تشكل جوازات المرور الموصلة الى مراكز المسئولية كما أن الاستقامة والنزاهة والاخلاق القومية, ينبغي ان تكون مفتاح الطريق الى تولي المناصب الحساسة. وهناك في هذا المجال حل وسط معقول يسمح بتحقيق مصلحة الدولة ومصلحة الامة في آن واحد. ويتحقق هذا, عندما يتولى المسئوليات الاساسية افراد يتمتعون بالأهلية والكفاءة من جهة, وبثقة السلطة من جهة اخرى. وبتعبير آخر, إذا أرادت الدولة ان تمنح مراكز حساسة لأناس تثق بهم, فان اختيارها لهم, يجب أن يكون متوافقا مع حدود امكاناتهم ومنسجما مع مؤهلاتهم, فلتساعدهم على تقلد مناصب تتلاءم مع اختصاصاتهم وتتناغم مع حجم مقدراتهم, حتى يحسنوا القيام بواجباتهم, فيستفيدوا ويفيدوا ويحققوا مصالحهم الشخصية ومصلحة السلطة ومصلحة الوطن ومجموع الامة في آن واحد. ويمكن للدولة ايضا ان تعتمد على الاشخاص المستقلين الذي قد لايكونون موالين حكما للنظام, ولكنهم في الوقت نفسه, ليسوا ضده. فإذا تقلد هؤلاء مسئوليات هامة, فإنهم سيعملون وفقا لمصلحة الوطن وهذا بدوره سيخدم مصلحة السلطة. فالسلطة الواعية تعرف ان تحقيق مصالح غالبية المواطنين سوف يجعلهم جميعهم موالين لها. وهذا أفضل من ولاء فئة محدودة من الناس الذي يجرون وراء مصالحهم الخاصة ويطالبون بالمناصب بحجة ولائهم للدولة. إن الجميع في الوطن العربي ينادون منذ زمن طويل بسيادة مبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب. ولكن المهم, ان ننجح في نقل هذا الشعار من النطاق النظري إلى حيز التطبيق العملي.