بدون انبهار وبدون انكسار في مواجهة وحش العولمة بقلم جلال عارف

عندما اعلن عن انضمامه للحزب الحاكم قبل سنوات, فوجىء المتابعون للحياة السياسية بحجم الاستقبال الذي لقيه من شباب الحزب وقياداته الوسيطة فلم يكن القادم اليهم مجرد استاذ جامعي او طبيب اطفال حتى ولو كان من ابرزهم في مصر والعالم كله . وانما كان الرجل بالنسبة للذين استقبلوه مرحبين واحدا من الكوادر السياسية الهامة التي كان يتم اعدادها في الستينيات, ومن موقعه في قيادة منظمة الشباب الهامة والقوية حينذاك ساهم بدوره في اعداد الكوادر السياسية التي تملأ الحياة السياسية في مصر حتى الآن. هذا الاستقبال الحافل للرجل من زملاء وتلاميذ سابقين رأوا فيه املا في بعث بعض الحياة في الحزب, كان هو النذير بأن الرجل سيلقى حربا عاتية من داخل الحزب نفسه, وبالذات من القيادات التي ورثها النظام من عهد الرئيس السادات والتي اعلنت حربا شعواء على كل ما يمت لمصر الستينيات كما اعلنت القطيعة من أي رؤية سياسية متقدمة للتعامل مع مشاكل العصر وتحدياته. وقد كان تولى الرجل بعد ذلك وزارة التعليم, وخاصة معارك عاتية لتخليص الجامعات من قبضة جماعات الارهاب التي كادت تتحكم في مصيرها ثم لمحاولة اصلاح التعليم الذي كان قد وصل الى حالة مأساوية ومازال الرجل في موقعه, ومازالت ازمة التعليم مستمرة والرهان على اصلاحه مستمرا ايضا, والخلاف حول سياسات الوزير قائمة ومشروعة, ولكن الذي لاشك فيه ان شيئا هاما قد تحقق وهو الاقرار بأن اصلاح التعليم وتحديثه هو حركة حياة او موت بالنسبة لمصر حتى وان كان الطريق لتحقيق هذا الهدف مازال طويلا وشاقا رغم الجهود المبذولة في هذا المجال. وقد سبق للدكتور حسين كامل بهاء الدين وزير التعليم في مصر ان وضع رؤيته حول مستقبل التعليم في كتاب أثار العديد من المناقشات, وهاهو قبل ايام يفاجئنا بكتاب هام عن التحديات الجدية التي تفرضها العولمة علينا والصراع بين ما تفرضه العولمة كحاجز العزلة وتحويل العالم الى قرية صغيرة, وبين الهوية المصرية والانتماء العربي وكيفية التعامل مع ثقافة العولمة واقتصادها المتوحش. ويقف بهاء الدين طويلا عند الاثار السلبية لاعصار العولمة بين اضمحلال دور الدولة وعجزها عن حماية الشرائح الاقل قدرة في المجتمع, وبين تحكم الشركات العملاقة في كل شيء وبناء مجتمع منحاز للقادرين فقط حتى يقول احد اشد انصار العولمة توماس فريدمان (ان الامل الوحيد امام الفقراء والبؤساء في ظل النظام الجديد هو ان يتذكرهم الاغنياء) ! ان نظام العولمة لا يفكر في الصالح العام ولا يظن انه يحتاج اليه واذا كانت البطالة تخدم مصالح الشركات العملاقة فأهلا بها واذا كانت الهوة بين الفقراء والاغنياء ستتسع والطبقة الوسطى ستنهار, فهذا آخر ما يفكر فيه اباطرة النظام الجديد حتى ولو تحول الامر الى قنبلة موقوتة تهدد بالانفجار في وجه الجميع. اما الاثار السياسية فهائلة.. فالاحزاب تفقد تأثيرها وفاعليتها والشركات العملاقة يزداد توغلها وتحكمها في العملية الانتخابية (ترشيحا ومساندة) ووسائل الاعلام تتساقط في قبضة الوحش الالكتروني الذي تمثله هذه الشركات ويتحكم في العالم ثم يضرب اقتصاد السوق بالاساس الحقيقي للديمقراطية التي تقوم على التكافؤ في الفرص. ومع ذلك كله يتصاعد العنف داخل المجتمعات او بين الدول, ويزداد تدمير البيئة, ثم نأتي الى الخطر الذي يهددنا ويهدد غيرنا وهو سيطرة التكنولوجيا الفائقة على الثقافة والحضارة وما يؤدي اليه من ازدهار ثقافة العنف والجريمة في المجتمعات بعد ان كشف التقدم التكنولوجي عن جوانبه السلبية بالاضافة الى ما حققه من مساهمة في رفع مستوى الحياة. ويتساءل الكاتب بعد ذلك: هل الحديث عن الوطنية أو القومية عبث في عصر العولمة؟ هل هي دعوة الى مقاومة ثورة علمية كاسحة بما تمثله من امكانات تكنولوجية هائلة وامكانات اتصال فائقة؟ ام هل هي دعوة الى الانغلاق والتقوقع داخل حدود لم يعد لها نفس المدلول الذي كان في عصور سابقة؟ هل هي رجعية في التفكير كما يحلو للبعض ان يسميها؟ هل هي عدم واقعية في تقدير الامور كما يحلو للبعض الآخر ان يصفها؟ او هي دعوة جديدة بروح جديدة؟ ويرى الكاتب ان الدول الكبرى نفسها وهي تتغنى بمزايا العولمة وتفرض قوانينها لاتتحرج عن التمسك باعلان مصالحها على اي اعتبار آخر, امريكا يعلن رؤساؤها في كل مناسبة ان مصالح امريكا العليا هي الاساس, والكونجرس الامريكي لا يتوانى في اصدار قانون يبيح للقوات الامريكية ان تلاحق من يتعرضون للامن القومي الامريكي داخل حدود الدول الاخرى ولا تتأخر امريكا عن وضع الشروط لاستعمال بضاعتها وفرض منتجاتها ونشر ثقافتها. وما هو حق لامريكا والقوى الكبرى لابد ان يكون حقا للآخرين.. ان التمسك بالوطنية لا يعني الاستعلاء او التعصب او الانغلاق من جانبنا ولا يعني ايضا التصادم مع التقدم ولا الوقوف ضد المعرفة والعلم ولا القطيعة مع التكتلات الاقتصادية الكبرى انه يعني الانفتاح على العالم بلا انبهار وبلا انكسار انه يعني التقدم العلمي بضوابط اخلاقية وانسانية,وبارتباط وثيق بالوطن.. انه يعني الاستفادة من النهضة العلمية والتكنولوجية ولكن ليس على حساب انسانيتنا بل دعما لها. انه يعني التقدم الاقتصادي مع الحفاظ على الوفاق الوطني, وفتح الاسواق ولكن ليس على حساب تهميش غير القادرين, والاستعانة بالعلم والتكنولوجيا مع الحفاظ على آدمية المواطن وحقوقه. انه يعني المشاركة الفعالة في النظام الجديد مع الاحتفاظ بهويتنا حتى لانكرر المأساة التي عاشها غيرنا فهناك اناس تقدموا ولكنهم خسروا انفسهم تم هذا تحت شعارات مختلفة (الماركسية مرة.. والعولمة مرة.. والتطرف مرة.. اختلفت المسالك ولكن النهاية كانت واحدة.. خسر الانسان نفسه وآدميته) . ومن الوطنية ينتقل بهاء الدين الى القومية, ليؤكد ان الوحدة العربية ستظل املا حتى ولو ظل بعيدا لبعض الوقت, ويركز على الدعوة الى التعاون المشترك في المجالات المتاحة بالنسبة له وهي: الرعاية المتكاملة للطفولة واعدادها للمستقبل, والتعاون في مجال التعليم, واقامة السوق العربية المشتركة. ويتحدث بعد ذلك حديث المتخصص عن المطلوب في التعليم للمستقبل ابتداء من اعداد المعلم الى تحديث المناهج, الى رعاية الموهوبين ليقف مع ثقافة العولمة وكيفية التعامل معها اننا أمام ثقافة تمجد الاستهلاك, وتمهد للعنف, وتدعو للفردية والأنانية, ثقافة مادية بحتة لا مجال فيها للمشاعر أو العلاقات الاجتماعية, ثقافة تدعو لسحق المنافسين وتؤله المال, ولا تقيم وزنا لحقوق المواطن ولا لمصلحة المجتمع. هذه هي الثقافة (الأمريكية أساسا) التي تريد السيطرة على العالم, فكيف نتعامل معها؟ هذا هو التحدي الذي يواجهنا ويواجه غيرنا من الشعوب صاحبة الثقافات المختلفة في العالم, ويتحدث الكتاب عن دور التعليم والاعلام حديثا تقليديا لينتهي إلى ضرورة الحفاظ على دور قوي للدولة, ويركز على الدعوات الأخيرة للاصلاح في المجتمعات الرأسمالية المتطورة نفسها, وأبرزها دعوة الديمقراطية الاشتراكية أو الطريق الثالث والتي ترتكز على ضرورة ان تكون الديمقراطية حقيقية, وان تتوسع دائرة الملكية سواء باشراك العاملين في ملكية المؤسسات, أو بالتوسع في الملكية التعاونية لمواجهة وحسن التوسع للشركات العملاقة ولتحقيق الاستقرار الاجتماعي والسياسي. إن بروز هذه التيارات هو دليل في حد ذاته على عمق أزمة الرأسمالية في ظل العولمة وفشل الرأسمالية المتوحشة التي لا تملك قلبا ولا تعرف المسئولية الاجتماعية, وإذا كان مفكرو العولمة يتصورون ان الطبقة العاملة لم تعد تمثل خطرا (انهم في الولايات المتحدة في حالة من الفقر بحيث لا يشاركون في التصويت) كما يقول ليستر ثورو في كتابه (مستقبل الرأسمالية) فإنهم يرون ان الخطر الحقيقي هو في الطبقة الوسطى التي يسودها الاحباط وهم يواجهون نتائج العولمة ويشاهدون المجتمع وهو ينقسم إلى شريحة صغيرة تزداد ثراء, وأغلبية مطحونة تزداد فقرا. وما العمل؟! يطرح السؤال نفسه.. ومعه عشرات الأسئلة التفصيلية حول قضية القضايا التي نواجهها, ولعل هذه هي الميزة الأساسية للكتاب الذي يطرح من الأسئلة بأكثر مما يقدم من الاجوبة, ومع ذلك تظل هناك أسئلة كبرى تتعلق بالموضوع لم تجد طريقها لصفحات الكتاب, ومع الاقرار بأن التفاصيل الاقتصادية بالذات لم يكن مطروحا ان يتم طرحها, إلا ان قضية (اللغة) تبدو غائبة في الحديث عن مستقبل التعليم والثقافة. صحيح ان ما يطرحه الكتاب من ضرورة الحرص على الهوية الوطنية والقومية تمثل انحيازا ضد الهجمة الثقافية باسم العولمة, ولكن قضية اللغة العربية كانت تستحق وقفة خاصة, لأن ما يطرحه الكتاب يتناقض مع واقع الحال الذي نشاهده بالنسبة للغة العربية التي لا تلقى الاهتمام الكافي بها في كل أنحاء العالم العربي, ويزداد الأمر صعوبة مع الاتجاه الذي يزداد يوما بعد يوم لتدريس العلوم في المدارس والجامعات عندنا باللغات الأجنبية (وخاصة الانجليزية) باعتبارها لغة العصر, الأمر الذي يهدد اللغة العربية بأفدح الأخطار, واللغة هنا ليست مجرد وسيط لنقل المعرفة, وانما هي جزء أساسي من الشخصية القومية, وبدونها نفقد الكثير مما نملكه بالفعل, ونفقد أيضا الكثير من المستقبل الذي نسعى إليه. ولقد كانت هذه القضية موضوعا لأكثر من حوار بيني وبين الدكتور بهاء الدين, وأظنها ستظل مطروحة على المجتمع كله لفترة طويلة, فالقوى المهزومة في مجتمعاتنا تسعى للانسلاخ من واقعها الوطني والقومي, وتظن انها بتخليها عن مقومات شخصيتها ستحقق التقدم المنشود والقوي التي تسعى للسيطرة الثقافية على العالم يهمها ضرب الثقافة العربية, وكذلك الأمر من الذين زعموا ان القومية العربية خرافة, وان المستقبل للشرق أوسطية تحت القيادة العنصرية لليهود. وفي ختام كتابه الموجز ينقل بهاء الدين كلمات دانتي: (ان اشد الأماكن حرارة في جهنم محجوز للذين يقفون على الحياد في أوقات الأزمات) . والأمة الآن في أزمة, والمستقبل تتهدده الاخطار, والكل مدعو للمشاركة في البحث عن الحل, والحياد بين الحق والباطل أو بين الأمة وأعدائها مرفوض, فلتكن هموم الأمة الشغل الشاغل لكل المثقفين قبل ان يبتلع تنين العولمة الجميع.

تعليقات

تعليقات