في الوقت الذي ينشغل فيه بعضنا بقضايا جانبية, نجد ان اهم مصادر دخلنا بل المصدر الوحيد لدول النفط في الخليج مهدد سياسيا, فنحن مجتمعات تعيش على استخراج النفط وبيعه في الاسواق العالمية, وعليه يتحدد الكثير من اسلوب حياتنا ومن اقتصادنا بل ومستقبلنا ايضا , واسعار النفط ارتفعت في الفترة الاخيرة بعد ان انخفضت الى مستوى متدن منذ اكثر من سنة, وفي ذلك الوقت ظهرت صيحات عديدة بان اسعار النفط لن تعود الى الارتفاع, وظهرت معها تعبيرات مثل شد الحزام, وانتهاء دولة الرفاه كما عرفها الجيل الحالي, وكانت صيحات ربما متسرعة, كما هي صيحات اخرى قد تقول ان اسعار النفط الحالية يمكن ان تدوم. منذ فترة زادت اسعار النفط, بعد ان قام اعضاء منظمة الدول المنتجة للنفط وغيرها من الدول المنتجة خارج المنظمة بتحديد سقف الانتاج وضبطه, وشهد سوق النفط ارتفاعا ملحوظا منذ اشهر, كان ذلك بشرى خير للبعض, ولكن الامر لا يستقيم على حال. فارتفاع اسعار النفط دون سقف يسبب ضررا باقتصادات اخرى, ففي الشهر الاخير من الاسبوع الماضي تجمهر مئات من سائقي اللوريات المستقلين في العاصمة الامريكية احتجاجا على اسعار النفط, الامر الذي لم يجد له صدى في الاخبار عندنا, وكان الاحتجاج منصبا على ارتفاع اسعار الوقود مما اضر باقتصادهم, وعندما يتضرر قطاع اقتصادي بهذا المستوى في الولايات المتحدة تتحرك الادارة, في سنة انتخابات حامية الوطيس, لتحافظ على اسعار الطاقة محافظة منها على مستوى اقتصادي لاتريد المغامرة به, ولقد رفعت شعارات في تلك التظاهرة منها (محتكرو النفط يأخذون شعبنا كرهينة, ونحن ندفع الاتاوة) وقد جاء سائقو اللوريات من خمس ولايات امريكية على الاقل الى العاصمة ليسمعوا صوتهم للسياسيين في واشنطن, ولم يكونوا المتضررين الوحيدين, فقد تضررت قطاعات اخرى ايضا اسمعت صوتها لواشنطن. الادارة الامريكية, تحت هذه الضغوط اعلنت في البداية انه ان لم يحصل تراجع في الاسعار فإنها سوف تستخدم الاحتياطي الاستراتيجي النفطي لديها والبالغ حوالي ستمئة مليون برميل, وذلك للمساعدة في خفض اسعار النفط, وهو تهديد غير مباشر لدول الاوبك, والدول المنتجة للنفط من خارج المنظمة. الدول المنتجة للنفط والخليجية على وجه التحديد استجابت لفكرة زيادة الانتاج التدريجي من اجل الوصول الى سعر للنفط تقبله اقتصادات الدول الصناعية الغربية, ولا يسبب ضررا باقتصادات الدول المنتجة, وهي معادلة صعبة قد تذهب بعيدا للوصول الى تدهور جديد في الاسعار, يعيد الجميع الى السنوات العجاف في نهاية التسعينيات المنصرمة. دول منتجة للنفط تعارض رفع الانتاج التدريجي بسبب الخوف من تدهور الاسعار الذي حدث في فترة سابقة, لان العالم وقتها قد حقق فائضا في الانتاج استدعى جهودا جمة للتغلب علىه. الاتفاق السائد الان بين الدول المنتجة للنفط في منظمة الاوبك هو ان تنتج مجتمعة ثلاثة وعشرين مليون برميل في اليوم, هذا الاتفاق هو الآن تحت المراجعة, ورغم هذه المراجعة الموعودة, فإن اسعار المحروقات في بلد مثل الولايات المتحدة, التي ارتفعت في بحر عام حوالي اربعين في المئة, من غير المؤكدة انها ستتراجع سريعا, بل ان ناطقا باسم وكالة الطاقة الامريكية توقع ان ترتفع اسعار المحروقات اكثر مما هي عليه اليوم, هذا ما صرح به الناطق امام لجنة للكونجرس بحثت في الامر الاسبوع الماضي. لقد قام بيل ريتشاردسون وزير الطاقة الامريكي منذ فترة قصيرة بزيارة للكويت والمملكة العربية السعودية وهو في طريقه لبعض عواصم اخرى منتجة للنفط لبحث امر سقف الانتاج الذي فرضته دول الاوبك منذ فترة والنظر في امكان تحريكه. لقد اصبحت اسعار الطاقة, لعبة داخلية امريكية في سنة الانتخابات هذه التي نعيشها, كما اصبحت الادارة الامريكية الديمقراطية محط انتقاد خصومها السياسيين بسبب ارتفاع اسعار النفط. ولقد شجعت الاسعار المتدنية للنفط في السنوات الثلاث الاخيرة, الشركات الامريكية المنتجة للنفط في الداخل الامريكي على تخفيض انتاجها, وتراجع الانتاج المحلي حوالي الثلث عما كان عليه قبل ذلك التاريخ, بعد الاعتماد على استيراد نفط رخيص من الخارج, وتذهب بعض التحليلات الى ان هذه الوضع هو الانسب استراتيجيا لهذه الشركات الامريكية العملاقة, حيث ان اسعار النفط من دول خارجية يمكن ان يتراجع على المدى المتوسط, ولو شهد بعض الصعود فهو صعود مؤقت ونسبي. وزراء النفط للمملكة العربية السعودية والمكسيك وفنزويلا عندما اجتمعوا في لندن الاسبوع الماضي تفهموا المشكلة, كما قالت وكالات الانباء, ولكنهم لم يقطعوا برأي نهائي, وتركوا القرار لاجتماع منظمة الاوبك في فيينا نهاية الشهر الجاري, والمتوقع عقده للنظر في رفع الانتاج النفطي للحفاظ على سعر معقول يحقق لكل من المنتج والمستهلك مصالح متبادلة. معركة اسعار النفط ليس معركة اقتصادية بحتة, انها في الاساس سياسية واستراتيجية والدول النفطية في منطقتنا عانت ولاتزال تعاني من تدهور اسعار النفط, الذي جعل بعض دولها تتحول من دول تملك فوائض مالية الى دول مدينة في بضعة اشهر, كما ان التزاماتها الداخلية والخارجية تضعها في موضع صعب للغاية ان عادت اسعار النفط للتذبذب والانهيار من جديد. الكويت. وهي احدى الدول المنتجة للنفط, ويقدر احتياطيها منه بحوالي 10 في المئة من الاحتياطي المعروف عالميا, يذهب معظم انتاجها النفطي الحالي الى اسواق اليابان, وبعد ذلك اوروبا ثم الولايات المتحدة وخلال الاشهر السبعة الاخيرة من السنة الماضية استوردت الولايات المتحدة من النفط الكويتي مايقارب مئتين وخمسين الف برميل يوميا, ويقارن هذا الرقم بالقمة التي وصلها تصدير النفط الكويتي الى الولايات المتحدة في هذا العقد, وكان ذلك في سنة 94 وقتها كانت حوالي ثلاثمئة وخمسين الف برميل في اليوم (شكل هذا الرقم 4.1 في المئة من واردات الولايات المتحدة النفطية ذلك العام) . حرب الانتاج والاسعار كانت قائمة في السنوات الثلاث الاخيرة ففي العام الماضي (1999) في مثل هذا الوقت لجأت دول اوبك لتخفيض ثالث في الانتاج بعد تخفيضين في السنة السابقة (98) ووصل انتاج النفط الكويتي بعد هذه التخفيضات الى حوالي 1.8 مليون برميل في اليوم, والكويت من الدول التي حافظت على اتفاقها في الانتاج ومازالت كذلك, ولكن الاهم ان هذا المستوى في الانتاج لا يلبي احتياجات الاقتصاد الكويتي الذي وجد نفسه في ازمة طويلة يحاول جاهدا الخروج منها. التحدي القابع امامنا ليس فقط القدرة على رفع سقف المساهمة في الانتاج العالمي للحصول على حصة اكبر من سوق النفط , بل ايضا في رفع القدرة على الانتاج في المستقبل, والحفاظ على سعر مقبول لفترة معقولة من الزمن, وهي قضية مطروحة بقوة في السياسة المحلية الكويتية, وتتلخص في امكان رفع سقف الانتاج في السنوات القليلة المقبلة الى مستوى يساعد الاقتصاد الكويتي على النمو ويستجيب للطلب العالمي. لذا, فإن مشاركة الشركات النفطية العالمية في توسيع القدرة على الانتاج النفطي امام الطلب العالمي المتوقع من جهة, والحفاظ على علاقات جيدة مع الدول المنتجة للنفط تستطيع ان تتعامل بفهم مع مصالح الاخرين من جهة اخرى, هي قضية مصيرية وليست هامشية لانها متعلقة بحياة بلد بكامله لا افراد. وتأتي في النهاية الى الهم المحلي, الى محاولة ترتيب اوضاع البيت الخليجي الداخلي, ولا يتأتى هذا الا بترشيد الاستهلاك من جهة, وتبني ميزانيات تنموية من جهة اخرى في دول مجلس التعاون خلال السنوات المقبلة, واصلاح المسار الاقتصادي, كلها مسارات يجب المضي بها بالرغم من السيولة التي تدفقت على ميزانيات بعض دول مجلس التعاون.