تأمل هذه الحكايات الامريكية الاربع، اللجنة الفضائية بمجلس النواب لولاية فيرمونت توافق على اقتراح يضفي الشرعية على علاقات الارتباط بين الشواذ جنسيا. الاقتراح يعطى طرفي العلاقة الجنسية الشاذة نفس الحقوق والالتزامات المكفولة للازواج العاديين . طفل في السادسة يقتل طفلة في نفس العمر تزامله في المدرسة بطلقة تخترق قلبها. المسدس وجده الطفل في غرفة نوم والده تحت الفراش... وقد كان محشوا ومعمرا وجاهزا للاستعمال. * شاب يقتحم مطعما ويطلق النار عشوائياً فيقتل اثنين من الرواد. وينطلق الى مطعم آخر عبر الشارع وهو يواصل اطلاق النار فيقتل رجلا آخر قبل ان يتغلب عليه رجال الشرطة. * شاب مهاجر من غينيا يصيح فيه اربعة من رجال الشرطة في مدينة نيويورك ليقف حتى يفحصوا اوراقه. في حالة فزع وارتعاب يدخل الشاب الافريقي يده داخل ملابسه ليخرج المحفظة.. فينهال عليه رصاص الشرطة بغزارة غير عادية: 41 طلقة, تصيب الشاب منها 19 طلقة. القاضي يصدر قرارا ببراءة رجال الشرطة الاربعة... ويذهب دم احمد ديالو هدرا. بشاعة هذه المشاهد الاربعة ليست بحاجة الى بيان, لكن هناك حقيقة اضافية اشد بشاعة فالاحداث الاربعة وقعت في بحر اسبوع واحد, فأي نوع من المجتمعات هذا؟ القاسم المشترك بين هذه الاحداث هي انها ترمز الى مجتمع غابة... لا مجتمع انساني. فالحيوانات في الغابة ليست مطالبة بمراعاة قيود ذاتية اجتماعية في ممارسة الحرية بما في ذلك حرية المعاشرة الجنسية وحرية القتل. اما اذا اخذت كل حادثة على حدة فانك تكتشف المزيد. اقتراح اضفاء الشرعية القانونية على الارتباطات الجنسية الشاذة... بين رجال ورجال او نساء ونساء او رجال ونساء هو في حقيقته إعلان رسمي لنهاية مؤسسة الاسرة. وحادثة مقتل الطفلة بواسطة طفل تعطي مغزى في هذا الاتجاه. فتوالي حوادث القتل بالسلاح الناري التي يرتكبها اطفال او صبية ليس مردها الى شيوع استخدام الاسلحة النارية في الولايات المتحدة بقدر ما هو, من ناحية انحسار دور الوالدين في التربية المنزلية, وتنامي العدوانية في البيئة الاجتماعية العامة. ولذا فان اطفال امريكا يقوم على تربيتهم التلفزيون او الشارع... وكلاهما تحكمه فلسفة العنف الناشئة عن فلسفة الاقتناء المادي كقيمة مقدسة للتعامل الاجتماعي. وعندما يتوصل فرد امريكي بالغ الى قناعة بانه وغد يعيش في مجتمع من الاوغاد فإنه يتصرف كما فعل الشاب في الحادثة الثالثة حين انطلق يقتل الناس في الاماكن العامة بصورة عشوائية. اما الحادثة الرابعة فانها ترمز بالاضافة الى فساد المجتمع ترمز ايضاً الى فساد اجهزة السلطة. لقد صار فساد جهاز الشرطة الامريكية قضية متداولة بين الجميع الى درجة ان الرئيس كلينتون نفسه تجاوز كل تحفظ يفرضه المنصب بشأن مصرع الشاب الافريقي في مدينة نيويورك فقال للصحافة: لو كان ابيض لما قتل! وبصورة عامة لا ندري, والحال كما نرى, كم بقي من افراد المجتمع الامريكي ممن لا يزالون ملتزمين بالحد الادنى من القيم الانسانية اللازمة للتماسك الاجتماعي. لكن حتى لو كان هناك نسبة ضئيلة من امثال هؤلاء فانه محكوم عليها بالانقراض. ويبقى سؤالان: اولهما: ما قيمة ان تعيش عمرا بأكمله وانت رهن الخوف المقيم في مجتمع يشاع فيه تعاطي المخدرات والانحلال الجنسي والقتل العشوائي؟ والثاني: كيف يعتبر المجتمع الامريكي في نظر نخب عربية من المثقفين نموذجاً يقتدى به؟ واخيراً: ما هي حقوق الانسان التي تحاكم امريكا بموجبها دولا اخرى اذا كان الفرد الامريكي لا يملك حق الحياة الآمنة سوى بالمعنى المادي او المعنى الخلقي؟