تقوم علاقة بين الكتابة والتكلم, الكتابة تتطلب قدرا من التركيز والتنظيم الفكري واللغوي اكبر. مما يحتاجه الكلام, الكاتب يحمل نفسه محمل الجد الاكبر عند الكتابة, والمرء يعفي نفسه عند الكلام من بعض الاحكام المتعلقة بالعرض والتنظيم والتركيز في مجال الاسلوب واللغة والفكر . واستعمال الكلام لتكرار ما كتب مساس بمعاني ولغة ما كتب, لان كلام الكاتب لايبلغ المستوى الفكري واللغوي والعاطفي والفني والاسلوبي الذي بلغه في الكتابه, وذلك لان الانسان ليس لديه الاستعداد النفسي لان يكرر كلاما او كتابة ما كتبه لان الكتابة تتطلب بذل جهد فكري وعاطفي كبير, والكتابة عملية فكرية عاطفية, وهي تجربة نفسية عاطفية, وعملية عطاء دافق, واشعاع فكري شديد التركيز وشديد الحدة, وهي تجديف فكري عاطفي في الاعماق او تهويم فكري عاطفي في العوالم القريبة والبعيدة, المألوفة والغريبة الساحرة, انها اختراق لحدود واكتشاف لآفاق اللامحدود. وفي هذه النشاطات كلها يصاحب الكتابة القلق الفكري واليقين وعدم اليقين في الوقت نفسه ولا يستطيع الكاتب ان يحشد من التركيز والتنظيم اللغويين والاسلوبيين والفكريين في الكلام ما كان قد حشده في الكتابة, وذلك لان الكتابة الابداعية تجربة او معاناة, ولايمكن ان تتكرر التجربة او المعاناة ذاتها, كل تجربة ابداعية تجربة وحيدة لا يمكن ان تتكرر واذا بذلت محاولة لاسترجاعها فلن يكون مصير تلك المحاولة الا الفشل, ولن تعدو تلك المحاولة كونها تقليدا, في الكتابة الابداعية يكمن نبض الحياة والسحر والجمال والفن ولكل من هذه الصفات تجل وحيد. ولان الكتابة الابداعية تجربة او معاناة فكرية نفسية عاطفية فان الكاتب يودع فيها مكنونات صدره واسرار كيانه الغالية عليه, وحتى يبين الكاتب المبدع فكره وعاطفته الجياشة يجب ان يعاني تلك التجربة الخلاقة, حيث يتدفق ذلك الفيض الابداعي باجتماع ظروف منها التهيئة النفسية والوجدانية والفكرية والعاطفية للكاتب, ومن تلك الظروف ايضا ان يشعر الكاتب المبدع بوجود تفاعل بينه وبين جمهور قرائه, ويتجلى دور القراء في هذا التفاعل, في تذوق عطائه الفكري والادبي. وحتى عندما تتاح للكاتب المفكر المبدع ان يتكلم او يكتب عن نفسه وفكره, يكون لديه شعور بأن ثمة شيئا في نفسه لم يقله ولم يفصح عنه كتابة, وبأن لديه ترددا في قول او كتابة شيء ما وبان ثمة فكرة او عاطفة يشعر بان الناس قد لايقبلونها او قد يستهجنونها. ولذلك فان بيانات الكاتب المفكر المبدع ليست كاملة دائما, ولديه شعور بان روايته الحياتية التي اراد ان يرويها او شرع في روايتها لم ينته من روايتها بعد. الكاتب المفكر المبدع يروي روايته على الناس وهو يخاف من ان يفقدوه هويته وفرديته بابداء اعجابهم به انه يحمل لهم عطاء ولكنه يخاف من ان تطمس دمامل المجتمع الخبيثة ذلك العطاء. في المجتمع البشري الذي لايخلو من المرضى والجائعين والمفترسين كيف يمكن لمن لايريد ان يكون مفترسا ان يدخله؟. وفي المجتمع البشري الذي فيه تنتشر الآراء المسبقة ويعيش الذين ينهش قلوبهم الطمع والشره كيف يمكن لمن اتخذ السلام مع النفس والموضوعية والنزاهة مثلا اعلى ان يدخل فيه لذلك غالبا ما يعمل ذلك الانسان الغريب في تشييد صرح عالمه الآمن ويلوذ به. وثمة صورة موضوعية عن الشخص ليكون كاتبا او مثقفا او اديبا او ناقدا او شخصاً يجمع هذه الصفات او قسما منها, اي صورته كما هو, وصورة ذاتية لدى الناس عنه, والمقصود بالصورة الذاتية الصورة غير الموضوعية او الصورة التي تكونها ذوات الناس. هذه الحالة. حالة وجود صورتين مختلفتين عن الانسان, تقوم في كل المجتمعات البشرية, وغموض الكاتب في طرح وغرابة افكاره واختلافها عن الجو الفكري والعقيدي والنفسي السائد في المجتمع, وانخفاض المستوى الفكري او النقدي لدى قراء او مستمعين او عدم معرفتهم يمكن ان تكون كلها او قسم منها من العوامل في نشوء هذه الصورة الذاتية لدى الناس عن الانسان الكاتب. ويختلف الناس بعضهم عن بعض في مدى غموض كتابات الكاتب بالنسبة اليهم, او في مدى غرابة افكاره عنهم او في مدى انفتاحهم على افكاره الجديدة او في مدى ارتفاع المستوى الفكري لديهم ولهذه العوامل وغيرها بالتالي اثرها في تحديد مدى اختلاف الصور الذاتية عن الصورة الموضوعية. ووجود صورة ذاتية لدى الناس عن الكاتب المفكر من شأنه ان ينال من اثر المفكر في اشاعة افكاره, لان الصورة الذاتية تسهم في تشكيل الموقف الذي يتخذه الناس حيال المفكر وبما ان هذا الموقف يميل باتجاه التأييد او يميل باتجاه التحفظ فان استعداد الناس لقبول افكاره او حتى قراءتها يكون متغيراً ولاختلاف الصورة الموضوعية والصورة الذاتية لدى الناس قد تكون الصورة الذاتية عن كاتب او مفكر او اديب او فيلسوف صورة (الاثم) بينما هو الاكثر ارتداعا عن اتيان المنكر, او صورة (الشكاك) بينما هو الاكثر ايمانا, او صورة (المتعجرف) بينما هو الاكثر تواضعا, او صورة (البخيل) بينما هو الاشد جودا. والكتاب المفكرون في المتوسط يأتون بافكار اكثر جدة ولذلك فهي اكثر غرابة وغموضا واقل اتساقا مع الجو الفكري النفسي السائد, ولذلك فان الصور الذاتية عنهم ليست صورا تجعل الناس مقبلين على افكارهم. وتختلف المجتمعات البشرية بعضهاعن بعض في طبيعة الحكم السياسي الذي يمارس عليها ومن شأن ديمقراطية الحياة الاجتماعية ان تسهم في جعل افكار الكاتب المفكر حتى لو كانت اكثر جدة وغرابة واختلافا, اكثر ذيوعا لان الاختلاف والتعددية الفكرية من القواعد التي يقوم عليها ذلك النظام.