ان دولة الامارات العربية المتحدة تعتمد الى حد كبير على العالم الخارجي سواء في صادراتها ولا سيما النفطية منها, او مستورداتها من السلع والخدمات لذا فان اقتصاديات الامارات تتأثر وبشكل كبير بالتطورات الاقتصادية المستجدة في السوق العالمية سواء من حيث الطلب على صادراتها النفطية من قبل تلك السوق , او التغيرات التي تطرأ على السلع والخدمات المنتجة في العالم والتي يتم استيرادها لتلبية متطلبات السوق المحلية, فيما الجزء الفائض تتم اعادة تصديره الى الاسواق الخليجية والاسواق القريبة ايضا. ومن هنا فان القطاع الخارجي يلعب دورا رئيسيا في اقتصاديات الامارات لا يقل عن القطاع الانتاجي او القطاع المالي اللذين سبق وان تناولتهما في المقالات السابقة. ومن هنا فان تحديد معالم هذا القطاع وحجم تأثيره على اقتصاد الامارات يعتبر من الاهمية بمكان لاستشفاف مستقبل الاقتصاد الوطني, وتبيين اهمية هذا القطاع من خلال سجل يوضح حجم التعاملات الاقتصادية التي يجريها الاقتصاد الوطني مع اقتصاديات العالم, ويسمى هذا السجل بميزان المدفوعات الذي يعكس طبيعة تلك التعاملات ايضا, وهنا نحاول ان نحدد ماهية ميزان المدفوعات وأهميته ومعوقاته وعلاجه. أولا: التعريف يعرف ميزان المدفوعات للامارات بأنه سجل يوضح التعاملات الاقتصادية الدولية لاقتصاد الدولة مع بقية دول العالم, ويتضمن بيانا بالسلع والخدمات والمساعدات و...الخ التي تتسلمها او يقدمها اقتصاد الدولة من والى العالم الخارجي وتدفقات رؤوس الاموال من والى الدولة. ومن واقع هذا التعريف لميزان المدفوعات يتضح ان بيان ميزان المدفوعات يبين طبيعة العلاقات الاقتصادية التي يرتبط بها اقتصاد الامارات مع بقية دول العالم, ومنها بالتأكيد التعاملات المالية. ثانيا: اهمية الميزان تأتي اهمية ميزان المدفوعات للامارات من منطلق الاعتبارات التالية: 1) ان مبدأ الحرية الاقتصادية والانفتاح الاقتصادي على العالم اللذين تعتمد عليهما السياسة الاقتصادية لدولة الامارات تتطلب ضرورة تقييم اثار تلك السياسة من خلال آثار المعاملات التي تحدث في الخارج على الاوضاع الاقتصادية المحلية كأثر عوامل الانتاج الأجنبية على اقتصاد الدولة, والآثار المترتبة على انضمام الامارات لمنظمة التجارة العالمية (W.T.O) وهذا لا يمكن رصده الا من خلال البيانات التي يوفرها ميزان المدفوعات. 2) ان السياسة المالية للدولة ترتبط بشكل كبير ومباشر بالتطورات التي تحدث في ميزان المدفوعات حيث يوضح سجل ميزان المدفوعات هذا حجم التعاملات المالية التي تنعكس على السياسة المالية للدولة, ومن هذه التعاملات تدفق رؤوس الاموال الى الخارج لكون الامارات مصدرة لرؤوس الاموال والتي تأتي على هيئة مساعدات ومنح وقروض تقدمها الدولة الى الدول العربية والصديقة الاخرى, او تحويلات العاملين الى الخارج والتي تشكل تدفقا للسيولة الى الخارج.. هذا من ناحية, ومن ناحية اخرى فهذا السجل يعكس حجم تدفق رؤوس الاموال الى الداخل مثل حجم الاقتراض من الخارج ولا سيما عند الحاجة او الايرادات التي تحققها الدولة نظير صادراتها ولا سيما النفطية منها. وتتضح علاقة ميزان المدفوعات بالسياسة المالية من حيث العلاقة التقاطعية في الموازنة الحكومية سواء الاتحادية او المحلية وكذلك حساب رأس المال في ميزان المدفوعات, وفي ظل هذه البيانات التي يوفرها هذا السجل تستطيع وزارة المالية والصناعة بالدولة دراسة الاوضاع المالية ومدى الاثار المترتبة عليها في حال الاقتراض من الخارج. 3) اهمية ميزان المدفوعات في القرار الاقتصادي وكذلك القرار السياسي, ويأتي ذلك من خلال البيانات والاحصاءات التي يوفرها سجل الميزان ومدى دقتها وشفافيتها, حيث يعتمد عليها متخذ القرار الاقتصادي خاصة في تحديد الاولويات واهداف الدولة الاقتصادية ولا سيما في رسم السياسة الاقتصادية, وعند وضع استراتيجية التنمية الاقتصادية للدولة, وعند تحديد طبيعة علاقة الدولة السياسية بمجموعة الدول الاخرى او المنظومات الدولية والتكتلات الاقتصادية او السياسية العالمية. 4) اهمية ميزان المدفوعات للسياسة النقدية, حيث يوضح هذا السجل حجم تدفق السيولة النقدية من الاقتصاد الوطني او السوق المحلية الى الاسواق الاخرى او الدول الاخرى, ومدى تأثير هذا التدفق على السيولة المحلية. وكذلك حجم الائتمان او حجم النقود المتدفقة الى داخل الدولة, والاثار المترتبة على السيولة والائتمان المحلي او توضيح حجم احتياطات الامارات في الخارج وموجوداتها الاجنبية ولا سيما في ظل اقتصاد مفتوح كاقتصاد الامارات. 5) تبرز اهمية ميزان المدفوعات ايضا بالنسبة للتجارة الخارجية, اذ يعتبر (الميزان التجاري) احد مكونات ميزان المدفوعات للدولة وهذا الميزان التجاري يعكس حجم ونوعية صادرات الدولة وكذلك حجم ونوعية وارداتها من الخارج, وحيث ان الامارات تستورد معظم احتياجاتها من السلع والخدمات من الخارج, ولكونها تعمل جاهدة لتطوير حجم صادراتها المحلية, فان ميزان المدفوعات يشكل اهمية كبيرة لتحديد طبيعة ونوعية وحجم الصادرات والواردات وبالتالي اختيار سعر الصرف المناسب لتشجيع صادراتها لكي لا يكون هناك عجز في ميزانها التجاري ثم لمعرفة حجم الاستثمار الاجنبي الى داخل الدولة من خلال (الميزان التجاري). 6) لما كانت الامارات ساعية الى ابرام اتفاقيات اقتصادية واستثمارية سواء المتعلقة (بالازدواج الضريبي ـ او الاتفاقيات الاستثمارية) فانه من الضروري ان تتوفر لدى الجهة المفاوضة (وزارة المالية والصناعة) معلومات وبيانات واحصائيات حول حجم التبادل التجاري مع تلك الدولة او الدول وطبيعة التجارة واهميتها وهذه المعلومات والبيانات تستقيها الجهة المفاوضة من ميزان المدفوعات, وتعتمد عليها في مفاوضاتها مع تلك الدول, ومن هنا لابد وان تتسم تلك البيانات بالدقة والشفافية. 7) ان ميزان المدفوعات للامارات يتناول في سجله بيانات حول حجم التحويلات المالية من داخل الدولة الى الخارج والعكس ولما كانت تلك التحويلات ذات اهمية قصوى للجهاز المصرفي, وكذلك لوزارة المالية فانها ذات اهمية ايضا بالنسبة للاجهزة الامنية في الدولة, لاسيما وإن الامارات مستهدفة من قبل جهات خارجية اجنبية. وسجل ميزان المدفوعات يوضح حجم وطبيعة تلك التحويلات لاسيما الاموال التي تعمل بعض الجهات على ادخالها الى سوق الامارات وهي اموال مشبوهة كأموال غسيل المخدرات ومن هنا فإن ميزان المدفوعات متى ما كان دقيقا وواضحا فإنه يوفر معلومات دقيقة للاجهزة الامنية تساعدها في مواجهة الجريمة الاقتصادية او الحيلولة دون حدوثها في الدولة. ثالثا: اختلالات ومعالجات بالرغم من اهمية ميزان المدفوعات في اي دولة حديثة كدولة الامارات التي تنشد تحقيق تنمية اقتصادية خاصة والتنمية الشاملة عامة وبالرغم من اهميته في معرفة الوضع او الاهمية الاقتصادية للدولة في الساحة الاقتصادية العالمية الا ان ميزان المدفوعات في دولة الامارات يعاني من صعوبات ومعوقات عديدة يتطلب الامر معالجتها ويمكن تحديد تلك المعوقات او الاختلالات وكذلك المعالجة من خلال ما يلي: 1) بالرغم من وجود هيكل مناسب لميزان المدفوعات حسبما نص عليه دليل الطبعة الخامسة لاحصاءات ميزان المدفوعات والصادرة من قبل صندوق النقد الدولي الا أن هذا الميزان ما زال يعاني من ضعف في آلية العمل فيه وغياب المنهجية العلمية التي تؤكد اهميته, وهنا يتطلب الاخذ بما جاء في الطبعة الحديثة لصندوق النقد الدولي في حال الرغبة بتطوير آلية العمل بميزان المدفوعات للدولة. 2) ما زال ميزان المدفوعات يعتمد على بيانات تقديرية واولية, وتتصف بعدم الدقة وغير شاملة ويعزا ذلك الى صعوبة الحصول على البيانات من مصادرها الاساسية ومن هنا فان الامر يتطلب معالجة هذا الضعف من خلال تعاون الجهات المختلفة في توفير البيانات الدقيقة والشاملة للجهة التي تقوم باعداد ميزان المدفوعات للدولة ومن تلك الجهات وزارة البترول والثروة المعدنية وشركات البترول الوطنية ودوائر الجمارك والدوائر الحكومية المعنية. 3) لما كانت الامارات تعتبر احدى الدول المصدرة لرأس المال فان البيانات التي تبين حجم التدفقات المالية الى الخارج تشكل اهمية كبيرة, وذلك لاغراض الميزان الجاري سواء كانت تلك التدفقات على هيئة تحويلات العاملين الوافدين او المساعدات التي تقدمها الحكومة الاتحادية او الحكومات المحلية, او حجم التدفقات التي تخرج الى خارج الدولة لاغراض الاستثمار. ومن هنا فان تحديد حجم تلك التدفقات في غاية الاهمية لاغراض ميزان المدفوعات ولاهمية ذلك او تأثيره على حجم السيولة المحلية بالدولة ويتم حصر وتحديد ذلك من خلال المصارف العاملة في الدولة وكذلك محلات الصرافة. 4) لما كانت الامارات تسعى جاهدة لاستقطاب استثمارات اجنبية الى داخل الدولة فانه من المهم تحديد حجم تلك الاستثمارات القادمة من الخارج لتتسنى معرفة قنوات الاستثمار التي تم توظيف تلك الاموال فيها وما مدى جدوى الاستثمارات الاجنبية في الدولة, وهذا يساعد اصحاب القرار الاقتصادي على توفير المناخ المناسب للاستثمارات سواء الوطنية او الاجنبية. وفي ضوء ما تقدم فان تطوير الية البيانات والاحصاءات بميزان المدفوعات لدولة الامارات يعتبر احدى الغايات الرئيسية في تصحيح المسارات الاقتصادية وتحقيق الاصلاحات الاقتصادية بالدولة وذلك في اطار تطوير علاقة الدولة مع دول العالم سواء من الناحية الاقتصادية المحلية او الاقليمية او الدولية, ويتطلب الامر إلى معالجة الاختلالات المزمنة في ميزان المدفوعات لتحديد الوضع والاهمية الاقتصادية للدولة في المرحلة المقبلة.