من فرط ضخامة معدلاتها الاستهلاكية للنفط المستورد, كثيرا ما ننسى أن الولايات المتحدة, بقدر ما هي مستهلك نفطي فهي ايضا منتج نفطي.. بل هي اكبر منتج للنفط في العالم. ولهذا فعندما تتحدث واشنطن عن أسعار النفط العالمية فانها في الحقيقة تتحدث بصوتين في آن معا: الصوت الاستهلاكي الذي يصارع صاحبه من أجل تخفيض الأسعار.. والصوت الانتاجي الذي لا يستهدف صاحبه إلا العكس. هذه هي الزاوية التي يجب من خلالها أن ننظر في جولة وزير الطاقة الامريكي بيل رتشاردسون الاسبوع المنصرم التي شملت اكبر ثلاث دول منتجة للنفط (بعد الولايات المتحدة).. وهي السعودية والمكسيك وفنزويلا.. وهذه الدول مجتمعة تشكل ايضا اكبر مصدر للنفط الخام الى السوق الامريكية. لقد كان الهدف من الجولة اقناع هذه الدول النفطية الثلاث باستحداث زيادة ما في معدلات انتاجها النفطي مما سيؤدي بأسعار النفط العالمية الى الانخفاض نسبيا. أجل.. ان الولايات المتحدة قوة عظمى استغلالية, تتحرك دوليا على الدوام بدافع اوحد هو خدمة مصالحها الحيوية الذاتية.. وغالبا ما يكون ذلك على حساب الآخرين, لكن الأمر مختلف هذه المرة. فاذا كان هناك دولة واحدة في الموقف الافضل لتحديد سعر متزن لسلعة النفط الخام على مستوى السوق العالمية فهي امريكا دون غيرها.. لانها تجمع بين مصلحة المستهلك ومصلحة المنتج في آن معا. والأمر يتعلق بتضارب مصالح القوى الاقتصادية داخل الولايات المتحدة نفسها. في امريكا صراع ازلي بين قطاعين عملاقين: قطاع أصحاب الآبار والحقول النفطية (تكساس مثلا) وقطاع ملوك الصناعة (ديترويت مثلا). وبسبب هذا الصراع تتعرض الادارة الامريكية في اي عهد الى ضغوط مستديمة من ناحيتين. فبينما يطالبها منتجو النفط بتسخير آلة القوة الامريكية بتعددها الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري على المستوى العالمي بالسعي لرفع اسعار النفط العالمية, يطالبها اصحاب المصانع بالعكس. وأصحاب الآبار النفطية يسعون بطبيعة الحال الى تعظيم عائداتهم المالية من مبيعات النفط.. ولهذا فانه كلما صعدت اسعار النفط العالمية كلما كان ذلك في مصلحتهم.. بينما ما يريده اصحاب الصناعات هو تقليل كلفة الانتاج بالحصول على الطاقة التي تحرك المصانع بأسعار رخيصة. وهنا يجب ان نلحظ ان الضغوط تشتد على الادارة الامريكية من اي من الطرفين عندما تفقد سوق النفط العالمية توازنها. واختلال التوازن هذا يحدث عندما يحدث تطور فجائي بايقاع متسارع على أسعار النفط اما بالتصاعد او بالتهابط. وهذا ما جرى خلال السنة الاخيرة.. وكان على صعيد الارتفاع السعري المتسارع. فقد زاد متوسط اسعار النفط العالمية الآن ثلاثة أضعاف.. من عشرة دولارات للبرميل الى 30 دولارا. والجزع الشديد الذي اصاب اوصال الادارة الامريكية فدفع واشنطن للتحرك من خلال جولة وزير الطاقة المشار اليها هو قطعا من افرازات ضغوط شديدة على الادارة من جانب اصحاب الصناعة الامريكيين لحث الادارة على استخدام نفوذها الدولي لاحداث خفض في اسعار النفط. ورغم استجابة الادارة الامريكية الا ان واشنطن لا ترغب قطعا في رؤية اسعار النفط توالي الهبوط الى مستوى يزعج (اللوبي) النفطي داخل الولايات المتحدة نفسها. تأسيسا على ذلك فإن موقف امريكا الرسمي الان حيال السوق النفطية هو تحقيق سعر متزن. وهذا لا يتعارض اطلاقا مع مصالح دول اوبك والمنتجين الاخرين خارج اوبك. وهكذا.. ربما يكون مجال تجارة النفط العالمية هو المجال الوحيد الذي يمكن ان تلتقي فيه مصالح الولايات المتحدة مع مصالح اخرين دون استغلال او غبن.