الذين يحاولون تسخير الدين الاسلامي كأداة لأغراض الكيد السياسي الدنيوي, انما يلعبون بالنار, ولننظر في احدث مثال: في عقد الثمانينيات للقرن المنصرم تبنت اجهزة الأمن التركية تنظيما اسلاميا بهدف استغلال اجندته الدينية كترياق ضد التنظيم الكردي الرئيسي (حزب العمال) الذي يعتنق الماركسية كدليل نظري . الحزب الكردي الذي يواصل نشاطه المسلح حتى اليوم في شرق البلاد يقاتل من اجل الانفصال لاقامة دولة كردية ذات طابع ماركسي في ذلك الجزء من تركيا, ويبدو ان هذا المشروع الماركسي استفز بعض الاسلاميين الاتراك فأنشأوا تنظيما باسم (حزب الله (لا علاقة له اطلاقا بحزب الله اللبناني) لمقاتلة الحزب الكردي (الالحادي) , مما اغرى قادة الاجهزة الامنية التركية بفكرة تحالف مع هذا التنظيم الاسلامي اساسها ان لهما (عدوا مشتركا) . ولاشك ان ما كان يعتمل في ذهن خبراء الامن الاتراك هو استغلال العاطفة الاسلامية لدى (حزب الله) لغرض لا يتعلق بنصرة الاسلام أو المسلمين. كان ذلك في الثمانينيات, اما الان فان الصورة النهائية اختلفت, فحزب الله التركي اكتشف في هذه الاثناء ان عدوه الحقيقي الاكبر هو النظام العلماني السائد في البلاد, وبذلك تحولت اسلحة هذا التنظيم الاسلامي التي كان يزوده بها نظام الحكم التركي من استهداف اعداء النظام إلى استهداف النظام ذاته. واذا كان هذا هو احدث مثال لخطورة التلاعب بالدين الاسلامي فانه ليس المثال الاوحد في التاريخ المعاصر للعالم الاسلامي, فعند اواخر ستينيات القرن الماضي تبنى شاه ايران دعوة امريكية إلى تحالف اسلامي في العالمين العربي والاسلامي لغرض تحجيم المد الناصري باعتبار ان الناصرية صنو للاشتراكية الالحادية, وكانت النتيجة ان هامش الحرية النسبي الذي منحه الشاه للاسلاميين في الداخل هو الذي مكنهم من بذر بذور الثورة التي اطاحت به لاحقا. ولمحاربة التيار الناصري ايضا داخل مصر تحالف الرئيس السادات في بداية عهده مع الاصوليين فقويت شوكتهم إلى درجة خطيرة كان هو شخصيا ابرز ضحاياها, وشجعت اسرائيل في الثمانينيات حركة (حماس) ضد (منظمة التحرير) لتصبح (حماس) لاحقا خطرا ماحقا ضد كليهما. وتفاعلات قصة (حزب الله) التركي التي لاتزال تسود المشهد السياسي التركي اليوم تنطوي على مفاجآت مثيرة لا تنقطع, وبذلك تستأهل وقفة. في المرحلة الاولى لنشاطه اثار نشاط (حزب الله) القتالي ضد قوات (حزب العمال الكردستاني) اعجاب مؤسسة الحكم التركية, فقد انطلقت كوادر المقاتلين التابعين لذلك التنظيم الاسلامي في مقاطعات شرق تركيا تقتل قوات ومؤيدي الحزب الكردي بالمئات, لكن عندما غير (حزب الله) استراتيجيته في اتجاه معاكس وصار يستهدف بالقتل سياسيين ورجال اعمال ورجال شرطة من الاتراك انفسهم ارتفعت اصوات تطالب بالتحقيق في الشائعات التي تتحدث عن صلة التنظيم بأجهزة الامن التركية. كان هذا ايذانا بمرحلة من الحرج السلطوي حيث صارت اجهزة السلطة وقادتها يتبادلون الاتهامات بشأن المسئولية, فقادة اجهزة الامن يتهمون حاكم احدى الولايات في شرق البلاد بأنه هو المسئول عن توفير امدادات الاسلحة لحزب الله, والحاكم بدوره يتهم رئيسة الحكومة السابقة تانسو شيللر بانها هي التي اصدرت التوجيهات, وشيللر لا تنفي اصدار هذه التوجيهات لكنها تقول انها حرصت على الحصول اولا على تأييد رسمي لهذه التوجيهات من المؤسسة العسكرية صاحبة السلطة العليا في البلاد قبل ان تتصرف. وهكذا تتبلور رويدا وبصورة متسارعة ازمة حكم عظمى جذورها تتمثل في حماقة استغلال عقيدة دينية سامية لا من اجل اصلاح المجتمع والحكم وانما من اجل العبث السياسي الكيدي.