كانت المقدمة الموسيقية الصاخبة ـ التي تتداخل فيها الطبول والدفوف انتظارا للراقصة الشرقية ـ قد طالت.. ومع رعشة الجنون التي اصابت الاضواء الملونة في الملهى الليلي المطل على نيل القاهرة شعر وزير الدفاع السوفييتي (جريشكو) بأن زجاجات (الفودكا) التي احتساها قد تحولت الى هستريا من الامواج المتلاطمة تهدده بالغرق فيها.. ولولا ان دخلت الراقصة المعروفة وهي تمسك بأطراف ثوبها البراق المكشوف لكان المريشال السوفييتي العجوز قد انسحب من المكان.. ولربما كان التاريخ في بلادنا قد تغير ايضا. في تلك اللحظة غير المحسوبة سقط وزير دفاع القوى السوفييتية العظمى في هوى الراقصة المصرية التي لم تكن تعرفه.. ولم تصدق وهي التي تكره السياسة وتخشاها ولا تفهمها انها يمكن ان تكون شخصية فاعلة مؤثرة في منطقة الشرق الاوسط بأسرها في اصعب واشد اوقاتها حرجا بعد هزيمة يونيو 1967 وحتى وفاة جمال عبدالناصر في سبتمبر 1970.. لم تصدق انها يمكن ان تهز المنطقة هزا. في ذلك الوقت كان السوفييت يضغطون على اعصاب القوات المسلحة بقسوة ويماطلون في تغطية سمائنا المفتوحة امام (عربدة) الطيران الاسرائيلي.. ويواربون مخازن سلاحهم ولا يفتحونها.. ويعطون ما نريد بالقطارة.. ودخلت القاهرة وموسكو في مفاوضات سرية.. وتبادلتا الزيارات السياسية والعسكرية.. وكان ان جاء جريشكو اكثر من مرة.. وفي كل مرة, كان يبدو متشددا.. متعنتا.. متعسفا.. لكن ذلك كله تغير كثيرا بعد ان سقط في هوى الراقصة التي كانت الاكثر شهرة في تلك الايام.. وراحت مصر تجمع السلاح قطعة.. قطعة.. وراحت الراقصة تجمع اجزاء (جريشكو) قطعة.. قطعة. وفي بداية عام 1970 وافق السوفييت ـ كما يقول امين هويدي في كتابه الموثق (الفرص الضائعة) على تقديم 23 كتيبة صواريخ سام (3) كاملة بأطقمها وأجهزتها ومعداتها و85 طائرة ميج معدلة بطياريها و50 طائرة سوخوي و4 أجهزة رادار (ب 15) للعمل ضد الطيران المنخفض.. بالاضافة الى توقيع اتفاق للتعاون الفني بين جهازي المخابرات في مجال المعلومات عن اسرائيل.. ان من السذاجة ان ننسب الفضل في ذلك كله لضعف قلب جريشكو امام الراقصة المصرية الشهيرة.. لكن.. من الواقعية الشديدة ان لا ننكر تأثير ذلك ايضا.. لا احد ينكر دور المرأة في تغيير الخرائط العاطفية والمناخية والجغرافية.. ولا احد ينكر كذلك القدرة على تفسير تصرفات السوفييت السياسية والنفسية. ان امين هويدي ـ الذي كان في ذلك الوقت رئيسا للمخابرات العامة ـ يدلل على ذلك بمثال آخر.. اهم.. لقد اصر السوفييت على ان تكون تحركات قواتهم القادمة الى مصر سرية.. من بلادهم الى بلادنا.. ولكن.. المفاجأة حدثت عند عبور السفن السوفييتية التي تحمل القوات والمعدات المتفق عليها مضيق الدردنيل.. فقد عبرته نهارا والافراد يحيون من تقع انظارهم عليه على الشواطىء.. واذاعات العالم ووسائل الاعلام تتابع بشغف هذا المنظر الفريد.. واصرت السفن على دخول ميناء الاسكندرية نهارا.. وان يجري التفريغ نهارا.. وان تشق العربات حاملة الافراد والمعدات شوارع القاهرة نهارا.. ولم يكن ذلك ما هو متفق عليه. ولن نشعر بالدهشة بعد ذلك لو عرفنا ان جريشكو وجه للراقصة التي وقع في هواها دعوة رسمية لزيارة موسكو.. وعندما هبطت العاصمة السوفييتية فوجئت بمظاهر من الترحيب والاهتمام لا يحظى به عادة بعض زعماء العالم الثالث.. ووجدت نفسها تدخل الكرملين مقر الحكم على سجادة حمراء. عرفت هذه القصة المجهولة من احد المقربين من وزير الحربية الاسبق الفريق محمد فوزي بعد نشر مقالي عنه في الاسبوع الماضي.. وقد سارعت على الفور للتأكد من كل حرف فيها من رجل كان مسئولا في تلك الايام.. وكانت مسئوليته تتيح له ان يعرف ما فوق السطح.. وما تحت الارض.. أما المقصود فهو مدى الضغوط التي كان يمارسها السوفييت علينا والتي وصلت الى الراقصات في الكباريهات.. فلم يكن في مصر من لم يدفع الثمن من عرقه وسمعته.. فالهزيمة كانت بالجملة وبالتقسيط. لكن .. القصة التي ادهشتني اكثر هي قصة الضابط الذي حاكمه الفريق محمد فوزي لاهماله الجسيم الذي اتاح لفرقة (كوماندوز) اسرائيلية العبور والتسلل وفك وحمل رادار متقدم والعودة دون مقاومة.. وبل ونجح الاسرائيليون في تصوير العملية بالصوت والصورة وعرض ما صوروه من افلام على شاشات العالم.. وان هذا الضابط هو المقدم (م. ز) وقد كان وقت العملية في زيارة ودية لوحدة مجاورة لوحدته.. وقد قدم الى المحاكمة العسكرية فورا.. وحكم عليه بالاعدام.. ولم يتردد وزير الحربية الصارم المشهور بعسكريته (الناشفة) في رفض التظلمات التي انهالت عليه ممن حوله.. فالمتهم قريبه.. وهنا المفاجأة.. لكنه.. أصر على موقفه.. فالقانون لا ينفذ على البعيد ويترك القريب.. والاستثناء مثل السرطان.. ما ان يصل الى خلية واحدة حتى ينتشر في باقي الخلايا.. ولا يمكن لرجل مهمته اعطاء القوات المسلحة الفرصة من جديد لرد اعتبارها ورد اعتبارنا ان يفرط في ابسط قواعد العدالة وهي المساواة في تنفيذ القوانين والاحكام.. ولم ينقذ الضابط المهمل من حكم الموت سوى الظروف السياسية التي دفعت الفريق فوزي نفسه لترك موقعه على رأس المؤسسة العسكرية. وحدث ان اكتشف الفريق محمد فوزي ان ملحقا عسكريا في عاصمة هامة يضع الميزانية الرسمية وهي حوالي 4 ملايين دولار في حساب في البنك باسمه.. ولم يكن هناك ما يمنع ذلك حسب قواعد السرية.. لكن.. ما لم يكن مقبولا ولا مسموحا به ان الرجل يحول الفوائد التي يجنيها المبلغ الرسمي في حساب شخصي في بنك آخر.. وطلب الفريق محمد فوزي التحقيق في الواقعة.. ولم يكن من الصعب ادانة الرجل الذي كان واحدا من اتباع المشير عبدالحكيم عامر المخلصين.. كما ثبت انه اقام بالنقود الحرام التي استولى عليها عمارة في شارع (الاهرام) اجرها مفروشة للاجانب والجزء الكبير من مفروشاتها بما في ذلك السجاد (الشنواه) كان مهربا من الخارج.. وقد كانت هناك توصية بأن يحال الرجل الى المعاش في أول حركة رسمية حتى لا تتأثر علاقتنا الحيوية بالدولة التي كان يمثل القوات المسلحة فيها.. كما انه كانت هناك مخاوف تصور ان الهدف هو ملاحقة رجال المشير في كل مكان والتخلص منهم.. وتدخل اولاد الحلال ليتوسطوا لدى الفريق محمد فوزي كي يعفو عنه.. لكنه كان يرد بتقديم الملف الاسود للرجل ويستطرد: (لو كان الامر بيدي لشنقته.. هذا رجل سرق الجيش في وقت يحتاج فيه لكل مليم.. ان جريمته لا تقل عن جريمة الخيانة العظمى) . ولا تنتهي القصة عند هذا الحد الطبيعي لها.. فقد جاءت الرياح بما لا تشتهي سفينة الفريق محمد فوزي.. وكان أن حوكم هو بتهمة الخيانة العظمى.. كان ذلك بعد احداث 15 مايو 1971.. ووجد انور السادات من يقول له: اذا لم يحاكم الفريق محمد فوزي في القضية فليس هناك قضية.. فهو وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة ولو خرج من القضية انتفى عنصر استعمال القوة.. وبالتالي لا يكون هناك انقلاب على الشرعية.. ولخرج باقي المتهمين براءة من اول جلسة.. والمفاجأة هنا ان الذي اوحى لانور السادات بذلك كان على صلة نسب بذلك الملحق العسكري الذي اخرجه الفريق محمد فوزي من الخدمة بعد ان اخذ فوائد الحسابات الرسمية ووضعها في حسابه الشخصي. لقد تغير النظام السياسي في مصر وانقلبت معه الآيات والمعادلات.. فتحول المتهم الى قاض.. وتحول القائد الى ضحية.. والذي حدث هو ان احد رجال عبدالناصر قال للفريق محمد فوزي في ليلة 14 مايو 1971: لو اخرجت كتيبة دبابات واحدة لاسقطنا ذلك الرجل وتغدينا به قبل ان يتعشى بنا.. لكن الفريق محمد فوزي رفض الخروج على الشرعية.. على انه حوكم بقانون كان هو أول من وضعه.. قانون محاكمة كل من يعرف معلومات تؤدي الى تغيير نظام الحكم ولا يبلغ عنها.. وهو ما عرف بقانون (علم ولم يبلغ) .. على اساس ان الجيش لا يتدخل في السياسة.. وان عليه حماية الشرعية.. وتولى التحقيق معه الدكتور ابراهيم علي صالح والدكتور منير العسرة.. وكان رأيهما انه لا يدخل في قائمة المتهمين.. ولكن كان هناك من يصر على الانتقام منه.. لاسباب لم يفكر فيها احد.. اسباب تتعلق بواقعة فساد قديمة شاءت الظروف ان تعطي لطرف من اطرافها قوة.. فلم يتردد في استعمالها.. كان ما كان.. ودخل الفريق محمد فوزي السجن مظلوما.. ويبدو ان انور السادات اكتشف ذلك فيما بعد.. فلم يتردد في ان يفرج عنه بعد حرب اكتوبر. وقد قيل انه قد طلب الرحمة من الرئيس انور السادات حتى لا ينفذ فيه حكم الاعدام او حتى يخفف هذا الحكم من الموت الى الاشغال الشاقة لمدة 15 سنة.. لكن المؤكد ان ذلك لم يحدث.. وكرر الرجل اكثر من مرة: ان الموت اهون عليه من طلب الرحمة في جريمة لم يرتكبها. وبعد القبض عليه على ذمة التحقيق وضع الفريق محمد فوزي في السجن الاحتياطي بالقلعة.. وتسربت معلومات وصلت لرئيس الدولة ان رجال الفريق محمد فوزي يدبرون عملية (مظلات) لاختطافه من السجن بواسطة هليوكوبتر.. وكرر نفس المعلومات الفريق محمد صادق الذي تولى المنصب نفسه الذي كان يشغله الفريق محمد فوزي.. وتقرر حماية الفريق محمد فوزي في سجنه بمدفع مضاد للطائرات.. وحدث خلاف بين وزير الداخلية اللواء ممدوح سالم ووزير الحربية الفريق محمد صادق حول من الذي يقوم بتشغيل المدفع؟.. ان المدفع ملك للحربية.. لكن السجون مسئولية الداخلية.. وكان ان اكتفت الحربية بتقديم المدفع للداخلية على ان تتولى هي تشغيله بطاقم من عندها.. وعينت الداخلية طاقما لتشغيل المدفع.. لكن طاقم التشغيل كان بلا خبرة بالمرة.. فكان ان طلبوا من الفريق نفسه ان يدرب الطاقم على التشغيل.. وهو ما حدث بالفعل.. وفي كل صباح ولمدة 3 ساعات كان طاقم المدفع يستمع للسجين محمد فوزي الذي كان يتولى القيادة والتدريب الى ان تنتهي الحصة.. فيعود بعدها الى زنزاته سجينا وحيدا. وقد نقل الفريق محمد فوزي بعد استقرار الحكم عليه الى حجرة خشبية فوق سطح مستشفى (الحلمية) العسكري لم تكن الحجرة تحميه من برد الشتاء.. ولا حر الصيف.. وكان بها (قلة) من الفخار للشرب.. وكانت الفئران تشاركه في طعامه.. وقد وصل تقرير بحالته الى انور السادات عبر وزير الكهرباء الاسبق احمد سلطان.. ولم يتردد انور السادات في نقله من هذه الغرفة الخشبية الى مستشفى قصر العيني تحت الحراسة المسلحة.. ثم قرر بعد ذلك الافراج عنه. ويروي لي المستشار فتحي رجب ان الفريق محمد فوزي وهو قائد عام ووزير حربية لم يشعر بتناقض بين الواجب والعاطفة إلا مرة واحدة.. لقد عبر الى الضفة الاخرى للقناة في وقت لم يكن مسموحا فيه بذلك ضابط لم يتمالك اعصابه وهو عادل سوكة.. وقد رفعت تصرفاته الروح المعنوية في البداية.. ولكن الاوامر هي الاوامر.. فكيف يحاكم ضابطا لأنه عبر القناة.. وكيف لا يحاكمه وقد عصى الاوامر؟ ويروي المستشار فتحي رجب ايضا: ان الفريق محمد فوزي طلب منه دراسة قانونية عن افضل الاماكن التي يمكن فيها تدمير وتفجير الحفار الاسرائيلي (كيتنج) بحيث لا تحدث اضرار في العلاقات الدولية بين مصر وأي دولة اخرى يمكن ان تجري العملية على ارضها أو في مياهها الاقليمية.. ويدلل رجل القانون على ذلك بأن رجل العسكرية الصارمة لم يكن متسرعا ولا متجبرا ويأخذ القرار بعد دراسته من كافة الجوانب. والمعروف ان عملية الحفار هي عملية المخابرات العامة.. وقد كانت عملية تدميره عملية شديدة الحساسية طبقا لقواعد القانون الدولي.. فالحفار كان انجليزيا.. اشترته شركة امريكية كندية وكانت تجره قاطرة هولندية.. اي انه كان حفارا متعدد الجنسيات.. وتفجيره قد يسبب ازمات متتالية.. كما ان طريق مروره طويل.. يمتد من السواحل الاوروبية الى السواحل الافريقية ليصل في النهاية الى خليج السويس حيث ابار البترول المصرية المحتلة التي كانت مهمة الحفار الغرف منها بأكثر مما تحتمل. والمعروف ايضا ان عملية تدمير الحفار ـ وكان اسمها الكودي (الحج) قد نفذت في ابيدجان بساحل العاج في فجر يوم 8 مارس عام 1970 في وقت كانت فيه ابيدجان مشغولة باستقبال رواد الفضاء الامريكيين الذين كانوا قد وصلوا اليها في زيارة خاصة ضمن جولة اوسع في افريقيا.. وانطلقت اصوات اربعة انفجارات متتابعة في الجو الهادىء.. واستقل افراد العملية الطائرة المغادرة الى باريس في طريق عودتهم الى القاهرة. لقد تصورت ان مقالة واحدة عن الفريق محمد فوزي تكفي.. خاصة وانه سجل بنفسه في اكثر من كتاب واكثر من برنامج تلفزيوني الكثير.. لكن.. ما قاله الذين كانوا يعرفونه جيدا عن قرب يؤكد ان الرجل عندما يلتصق بأمته وأحلامها وآلامها فإن كلمات الدنيا.. لا تكفي.