في حوار على مائدة إفطار مع أحد رؤساء الوزراء العرب الذين زاروا اسبانيا خلال العام الماضي، شارك فيه عدد محدود من الكتاب والصحفيين العرب المقيمين في اسبانيا، عندما تطرق الحديث الى ما يدور في »كواليس« قضية الشرق الأوسط، ومدى الدور الذي تلعبه اوروبا في هذه القضية قال رئيس الوزراء وكأنه يذيع سرا: »أمريكا ترفض أي مشاركة أوروبية في الحوار بين العرب وإسرائيل، ولم يعد لاوروبا من دور حقيقي سوى ان تدفع فواتير التعويضات التي تطالب بها إسرائيل كلما تراجعت عن بعض مواقفها المعلنة وهي كثيرة«. ثم زاد على ذلك بقوله: »أمريكا هي التي فرضت على اوروبا لعب هذا الدور المحدود، وموراتينوس ممثل المفوضية الاوروبية في الشرق الأوسط يعيش معزولا عن أي تطورات، بل يرفض المسئولون الإسرائيليون استقباله أو الحديث معه«. تصفحت وجوه الجالسين على المائدة فوجدت بعضها يؤمن على كلام رئيس الوزراء العربي من باب المجاملة ،و كأنهم منبهرون لإطلاعهم على سر خطير ، مع ان هذا الكلام يعرفه من يفهم ألف باء السياسة الأمريكية والأوربية تجاه القضايا الدولية خلال السنوات التي تزيد على النصف قرن التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، والتي بفضلها فقدت بعض الدول الاوروبية دورها في السياسية الدولية كنتيجة لانتهاء دورها كدول استعمارية، وتركت الطريق مفتوحا أمام الولايات المتحدة لتلعب الدورين: الاستعماري، والقيادي السياسي على المستوى الدولي. بل ان بعض المحللين السياسيين الأوروبيين بدأت أنظارهم تتجه مؤخرا نحو قراءة جديدة للطريقة التي دخلت بها أمريكا الحرب العالمية الثانية، والأهداف الحقيقية من وراء هذا الدور الذي لعبته أمريكا فيما يسمى بتحرير اوروبا من النازي، وإن كان هذا المقال ليس مجاله قراءة التحليلات الاوروبية الجديدة لذلك الدور. رئيس الوزراء العربي كان لديه الحق في ان يتحدث عن الدور الذي حددته الولايات المتحدة للاتحاد الأوروبي في أزمة الشرق الأوسط وكأنه يذيع سرا، لأنه اعتاد على ان يتعامل مع الصحفيين على أنهم متطفلون على السياسة، وأمثالهم في العالم العربي ليس لهم حق التساؤل حول تلك القضايا، التي أصبحت مقصورة على عدد محدود منهم، وهم الذين يختارهم المسئول السياسي بنفسه لا ان يفرضوا أنفسهم عليه كما حدث في تلك الجلسة، و غاب عنه أنه كان يتحدث أمام نفر من البشر الذين يعيشون في اوروبا، في ظل أنظمة حكم »ديمقراطية«، ربما كان أهم فضائلها ان كل شئ فيها معلن ومباح للجميع، سواء في نشره أو تحليله أو حتى نقضه، الى درجة ان رجل الشارع العادي يمكنه ان يدلي بدلوه في مثل هذه المسائل، وإذا تناولها متخصص ليعلن للقارئ العادي عن مثل هذه الحقائق باعتبارها أسرارا مقصورة على عدد محدود، فإنه في الحقيقة قد يبدو غائبا عن الواقع في نظر ذلك القارئ. لذلك من الغريب ان يتحدث رئيس المفوضية الاوروبية الجديد الإيطالي »رومانو برودي« عن هذه القضية على أنها قضية معروفة مسلم بها من جانب أعضاء المفوضية، وهي قضية »انفراد أمريكا بقضية الشرق الأوسط، ومسيرتها« ، وجاء ذلك في رده على سؤال لصحافي من جريدة »الباييس« الاسبانية، يتناول الأوضاع في الشرق الأوسط قبيل سفره الى إسرائيل والأراضي المحتلة مؤخرا. في الحوار الصحافي أعلن »روم انو برودي« انه قد آن الأوان لكي تتخلى الدول الاوروبية عن سلبيتها واكتفائها بلعب دور »صندوق التعويضات« لأي حلول توافق عليها إسرائيل بشأن قضية الشرق الأوسط، وانه يجب على اوروبا، كدول منفردة وكجماعة تحت غطاء المفوضية، ان تلعب دورا أكبر يساوي على الأقل دورها الاقتصادي في العالم خاصة ان الولايات المتحدة تضاءل نفوذها في الفترة الراهنة في مواجهة إسرائيل بسبب الاستعداد للانتخابات الرئاسية، وضعف الحزبين الرئيسيين في هذه الانتخابات أمام نفوذ »اللوبي الصهيوني«، الذي يمكنه ان يهدد من تسول له نفسه من المسئولين الأمريكيين الحاليين بقول أو فعل شيء لا ترضى عنه إسرائيل حكومة ومعارضة، وهو ما أدى بالتالي الى توقف المفاوضات على المسار السوري، وعرقلتها على المسار الفلسطيني بشكل يهدد كل ما تم الاتفاق عليه حتى الآن، وينذر بالعودة الى نقطة الصفر إذا أسفرت الانتخابات عن إدارة أمريكية جديدة مختلفة حزبيا عن الإدارة الحالية. بل وتهديدات إسرائيل بضرب لبنان، مما آثار العرب الذين أعلنوا عن غضبهم تجاه هذا الوضع لأول مرة منذ سنوات طويلة، وهو الغضب الذي دفع رئيسا مثل حسني مبارك الى ان يتخلى عن هدوئه المعتاد، ويقرر دعم لبنان بزيارته المفاجئة، والتي كان لها وقع مدو لدى الأوساط السياسية الاوروبية، التي رأت في الموقف العربي تجاه التهديدات الإسرائيلية للبنان قراءة جديدة غير تلك التي تحاول إسرائيل ان تقدمها ولو على المستوى الإعلامي ، لأن هذه الموقف كشف عن ان أي تعنت من جانب إسرائيل ربما يؤدي الى ما لا تحمد عقباه، وأنه لا يزال للعرب قدرة تجعلهم يتخلون عن سلبيتهم التي اعتادوا عليها منذ حرب الخليج الثانية، وهو ما تخافه اوروبا أكثر من أمريكا، لأنها الأقرب جغرافيا. وأكد هذا المعنى أيضا الذي تخشاه اوروبا، ما لقيه رئيس الوزراء الفرنسي ليونيل جوسبان أثناء زيارته لجامعة »بير زيت« الفلسطينية، ردا على تصريحاته التي أطلقها ضد المقاومة اللبنانية، والتي وصفها بـ "الإرهابية" انطلاقا من خضوعه للضغوط الصهيونية، ومحاولة منه لإرضاء يهود اوروبا الذين ثاروا ضد الأوضاع الاوروبية نفسها في معالجتها لقضية وصول اليمين المتطرف الى الحكم في النمسا التي تعتبر جزءا من الاتحاد الأوروبي، فالحجارة التي أطلقها الطلاب الفلسطينيون على رئيس الوزراء الفرنسي كان لها وقع أقوى من وقع قنابل إسرائيل التي تتساقط يوميا على جنوب لبنان، بل وأقوى من تصريحات المسئولين السياسيين العرب الذين أفاقوا مؤخرا على دوي تلك القنابل. لذلك فان كلام رئيس المفوضية الاوروبية عن تفعيل الدور الأوروبي في الشرق الأوسط يمكن تفسيره على انه رد فعل من جانب اوروبا في محاولة لاحتواء ما يمكن ان يسفر عنه تعنت إسرائيل في ظل تقيد الحركة الأمريكية، بسبب الحملة الانتخابية الرئاسية التي يمكن ان تستمر عاما كاملا، وهي فترة زمنية كافية لحدوث أي شئ خلالها. لكن لا يجب أيضا منح كلام رمانو برودي أكثر ما يستحق فعلا، لأن الموقف الأوروبي لا يزال بعيدا عن ان يكون متسقا تجاه منطقة الشرق الأوسط، وتصريحات رئيس المفوضية الاوروبية ليست سوى أمنية مكبوتة في نفسه كمسئول أوروبي، أو حتى أمنية تساور عدد كبير من المسئولين الأوروبيين، لكنها أمنية تصطدم دائما بواقع ان الولايات المتحدة في القضايا الدولية تملك الزمام كاملا، ولا تسمح لاوروبا إلا بدور محدود جدا، وفي حدود لا تتعداها، لأنها حدود محكومة بمصالح الولايات المتحدة أولا وقبل كل شيء. هناك الكثير من الإشارات التي تدل على صدق هذا التحليل، فلم يكد يجف الحبر الذي نشرت به الصحيفة الاسبانية تصريحات رئيس المفوضية الاوروبية حتى كانت الولايات المتحدة توجه »صفعة« على وجه الحكومة الاسبانية، لكنها في الحقيقة »صفعة« موجهة لاوروبا جمعاء، وذلك من خلال إعلان الإدارة الأمريكية عن تخلي اسبانيا عن معارضتها لانضمام إسرائيل الى المجموعة الاوروبية في الأمم المتحدة، حيث جاء الإعلان من جانب واحد، بل ان بعض اعضاء الحكومة الاسبانية صاحبة الشأن علموا بالأمر من خلال البيان الأمريكي قبل ان يعلموا به من زميلهم وزير الخارجية. ثم كشفت محاولات اسبانيا لرد شرفها تجاه الموقف الأمريكي، عن أنها لم تكن الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي كانت تعارض دخول إسرائيل كعضو في المجموعة الاوروبية الغربية بالأمم المتحدة، الذي يمنح إسرائيل الحق في عضوية مجلس الأمن، كعضو غير دائم عندما يحين عليها الدور، وهو ما كانت محرومة منه منذ دخول الأمم المتحدة وحتى الآن. ودفاعا عن نفسها، حاولت اسبانيا تفسير الإعلان الأمريكي على أنه محاولة من جانب إدارة كلينتون لإرضاء »اللوبي الصهيوني«، و كسب رضائه عن »آل جور« ليكسب أصواتهم خلال الانتخابات، لأن البيان الأمريكي تعمد ان يؤكد على دور نائب الرئيس الأمريكي في إثناء اسبانيا عن موقفها، وهو ما لم يحدث طبقا لما قالته المصادر الاسبانية المعنية بهذا الملف. النتائج التي لا يجب إغفالها، ان دور اوروبا مطلوب، ولكنه لا يزال بعيدا عن ان يكون مجرد »مصرف« يدفع ما تطالب به إسرائيل كثمن مقابل جلوسها الى موائد المفاوضات بغض النظر عن النتائج التي يمكن التوصل إليها، وأيضا ان الإدارة الأمريكية الحالية لا تزال تفرض على اوروبا الطريقة التي يجب ان تلعب بها دورها في منطقة الشرق الأوسط، على الرغم من محدودية حركتها التي تفرضها عليها الضغوط الصهيونية خلال فترات الانتخابات الرئاسية. لكن النتيجة الأهم، ان تململ اوروبا ومحاولاتها للعب دور أكبر من ما هو مسموح لها من جانب أمريكا، ولو على سبيل الدعاية والتصريحات الصحافية، نابع بالدرجة الأولى من تخوفها ان تفلت الأمور في منطقة الشرق الأوسط بسبب تصرفات إسرائيل غير المسئولة، والتي كانت نتيجتها الغضب العربي الذي كانت أعلى نتائجه زيارة الرئيس حسني مبارك الى لبنان، لأن هذا التحرك العربي أكد لاوروبا ان شيئا لا يزال يسكن تحت رماد الأوضاع المتردية في العالم العربي، ويمكنه ان يكشف عن وجهه في أي لحظة، ويهدد المصالح الغربية في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما تخشاه اوروبا قبل أمريكا، ولو استمر التحرك العربي لأختلف الموقف الأوروبي وخرجت المفوضية الاوروبية عن سلبيتها، ولو حدث هذا لكسب العرب، لأن الطريق الوحيد الى هذه المكاسب هو استغلال الاختلاف بين اوروبا وامريكا، بل مطالب العرب بالضرب على وتره وتعميقه، لأنه يمكنه ان يفرض توازنا يضمن حقوقا عربية تبدو ضائعة.