اصرار حركة قرنق على ان يشمل الاستفتاء على تقرير المصير مناطق خارج جنوب السودان لا يقل غرابة عن اصرارها على »فصل الدين عن الدولة« خلال المرحلة الانتقالية المقترحة. فالحركة وافقت في جولات تفاوضية سابقة على ان الحدود الجغرافية لجنوب السودان هي حدوده في اليوم الذي اعلن فيه مولد السودان كدولة مستقلة... اي الاول من يناير 1956 والان فان الحركة تناقض نفسها عندما تطالب بأن يشمل استفتاء تقرير المصير مناطق ليست بناء على التعريف الجغرافي المتفق عليه سلفا جزءا من الجنوب السوداني. ان المشكلة الكبرى هي ان الاقتراح بتمديد الرقعة الجغرافية لاستفتاء تقرير المصير ليس سوى احدث مطلب تعجيزي في سلسلة من المطالب التعجيزية المتتالية بحيث بات من المستحيل ان تعرف الفارق بين الجدية والمناورة في نهج الحركة تجاه العملية التفاوضية. في اوائل التسعينيات كان موقف الحركة التفاوضي مبنياً على المطالبة بحل سياسي في اطار وحدة السودان على اساس نظام فيدرالي. وعندما تقدمت الحكومة بمشروع فيدرالي يتضمن استثناء لجنوب السودان من تطبيق الشريعة الاسلامية واسقاط شرط الانتماء الاسلامي لرئيس الجمهورية في الانتخابات الرئاسية بناء على مطالبة الحركة... طلب ممثلو الحركة في المفاوضات مهلة. ولاحقا رفضوا المشروع. ثم غيرت الحركة موقفها التفاوضي فتبنت دعوة »تقرير المصير« كان ذلك في عام 1994. وحينئذ رفضت الحكومة الاقتراح بينما ظلت الحركة على موقفها. وعندما قبلت الحكومة اخيرا في عام 1997 صيغة تقرير المصير طلب ممثلو الحركة مرة اخرى مهلة. وعندما عادوا في جولة تالية طرحوا مبدأ تقرير المصير جانبا.. وعوضاً عن ذلك طرحوا اقتراحاً غريبا يتجاوز تقرير المصير الى اقامة نظام »كونفدرالي«... اي نوع من الاتحاد الفضفاض بين دولتين مستقلتين تماما... مما يعني ان توافق الحكومة على انفصال جنوب السودان فورا دون استفتاء لشعبه.. أي تسليم الجنوب لحركة قرنق.. بينما الحركة لا تمثل في افضل الاحوال سوى قبيلة واحدة. ومع مشروع الكونفدرالية ارفقت الحركة خريطة من ابتكارها تمد حدود الجنوب الجغرافية شمالا الى قرب مدينة »كوستى«. وبعد ان احدث هذا المشروع ضجة ضد الحركة على مستوى حلفائها من قادة المعارضة الشمالية تخلت الحركة عنه. ثم عادت الى تبني دعوة تقرير المصير في موقفها التفاوضي الاخير مشترطة كما رأينا ان يشمل استفتاء تقرير المصير ثلاث مناطق تابعة لشمال السودان. بناء على هذا المسلسل نستطيع ان نتخيل الخطوة التالية للحركة. فاذا افترضنا جدلا ان الحكومة وافقت على هذا الاقتراح الاخير فان المنطق النظري في هذه الحالة يقول ان الطرفين انتقلا أخيرا، غير أن الحركة تعتمد المنطق التعجيزي... فسوف تبادر في هذه الحالة الى مفاجأة الطرف الآخر باقتراح تعجيزي جديد: ان يشمل الاستفتاء اقليم »دارفور« واقليم »البجه« مثلا! لنعترف اذن ان مفاوضات »إيجاد« فاشلة. فوصولها الى طريق مسدود عبر كل جولة لمدى عشر سنوات متتالية يؤكد عدم جدوى الاستمرار فيها. وسبب الفشل هو ان حركة قرنق ملتزمة بالمخطط الامريكي لمنطقة شرق ووسط افريقيا... وهو مخطط يقضي باستمرار الحرب في جنوب السودان لمواصلة استنزاف الشمال. ان قادة المعارضة الشمالية يفضلون المبادرة المصرية الليبية لانها على العكس من مبادرة ايجاد ـــ تتيح لهم فرصة المشاركة في التفاوض... ثم انها تشتمل على قضايا السودان كلها وليست محصورة في قضية الجنوب. وفي تقديري انه آن الاوان لطي صفحة ايجاد والانتقال الى المبادرة المصرية الليبية... فهي ان لم تتوصل الى تسوية سياسية فانها على الاقل سوف تساعد على كشف الموقف الحقيقي الخفي لحركة قرنق عندما تقع مواجهة بين ممثلي الحركة وممثلي احزاب المعارضة الشمالية.