في كل يوم وكل مناسبة يذكر المشروع الصهيوني العرب بحقيقة »صراع الوجود« بينهم وبينه، كما يؤكد غربته عن المنطقة، وانه ضد السلام العادل ولا يؤمن الا بلغة القوة والتوسع والقهرفليس أصدق ولا أدق من شهادة المرء عن نفسه وقد نشرت أمس نتائج استبيان في اسرائيل اشارت الى ان 67% من الاسرائيليين يؤيدون وزير خارجيتهم »ديفيد ليفي« في اتجاهاته الوحشية وتصريحاته النازية التي هدد فيها بحرق وقتل اطفال لبنان وترابه، بينما عارضها 22% فقط.كما أكد 53% من الاسرائيليين دعمهم لقرار »الكنيست« الذي يضع قيدا شديدا على الانسحاب من الجولان السورية، حيث يعني هذا القرار ان الانسحاب غير ممكن الا بموافقة 62% من الاسرائيليين، وهو ما يصعب تحقيقه في البيئة الاجتماعية والسياسية الاسرائيلية الراهنة، وهذا ما يعني معارضتهم العملية للسلام ودعمهم لاستمرار الصراع. لكن هذه الصورة لا تكتمل الا ان تضاف اليها حالة العسكريين الصهاينة وهم يصرون على رفض العمل في جنوب لبنان، وينضم اليهم ذووهم في الدعوة الى الانسحاب، وذلك بسبب الخسائر المستمرة في صفوفهم جرّاء عمليات المقاومة اللبنانية الباسلة التي تواصل ضرب قوات الاحتلال وعملائه. ولعل الحقيقة تصبح أكثر وضوحا بالنظر الى حالات المراوغة في مفاوضات التسوية على جميع المسارات مع ملاحظة كيف تزداد شهية العدوان والتوسع كلما أبدى المفاوضون حرصا على السلام، وتباعدا عن العمل المسلح كما فعلت السلطة الفلسطينية، خلال الفترة الماضية، حيث وصلت بالتنسيق مع اسرائيل حد استئصال المقاومين، لكن النتيجة لم تكن الا المزيد من التعنت الاسرائيلي ومحاولة ابتلاع معظم الاراضي الفلسطينية. بل لعل هناك مثالا أكثر تعبيرا عن كل ما سواه يتجلى في مواقف اسرائيل تجاه عملائها في جنوب لبنان، فهي قد اتخذتهم »متاريس بشرية« ضد أبناء وطنهم المقاومين، وحين بدا ان هؤلاء العملاء قد أخذوا يتساقطون في الميدان ويتحولون الى عبء على سادتهم وضع جيش العدو خطط الانسحاب السريع في حالة انهيارهم وبغض النظر عن مصيرهم. أي ان هذا العدو سيظل يراوغ ويناور ليحقق بالمفاوضات ما عجز عن تحقيقه في الميدان من عمليات التوسع، واذا ما فشل بذلك فلا تستهويه الحلول الوسط، بل سيجرب قبل ذلك استخدام كل اشكال العدوان واحدث الاسلحة التي تزوده بها واشنطن لقهر الارادة العربية وفرض الاستسلام على العرب، فاذا ما وجد اصرارا على التضحية لنيل الحقوق انقسمت صفوفه بين أقلية باتت تعترف بحدود القوة واغلبية مصرة على العمل لتحقيق اسرائيل الكبرى حتى لو كان الثمن الدمار الشامل للجميع وتغليب قاعدة »علي وعلى أعدائي«. ولن تعود اسرائيل الى رشدها الا بموقف عربي قوي يقنعها بأنها ستكون الخاسرة في صراع الوجود اذا اضاعت فرص السلام العادل.