كل مراقب موضوعي يتابع المسار التفاوضي بين الحكومة السودانية وحركة قرنق لم يندهش لفشل الجولة التفاوضية الاخيرة التي اختتمت هذا الاسبوع في نيروبي. ذلك أن (التكتيك) التفاوضي الذي ظلت تستخدمه الحركة لمدى عشر سنوات حتى الآن من الجولات التفاوضية المتعاقبة هو التقدم بمطالب تعجيزية متتالية : كلما وافق الطرف الحكومي على مطلب ما في جلسة ما يعمد وفد الحركة الى التقدم بمطلب تعجيزي آخر في جلسة تالية. وهكذا تضمن الحركة استمرار الجدل التفاوضي الى مالا نهاية دائراً في حلقات مفرغة. ونهج الحركة على هذا المنوال لا يختلف كثيراً عن النهج الاسرائيلي في (مفاوضات السلام) على المسار الفلسطيني. وفي الجولة التفاوضية الاخيرة وصلت المحادثات كما كان متوقعاً الى طريق مسدود بشأن قضيتين: العلاقة بين الدين والدولة من ناحية وحدود الرقعة الجغرافية للاستفتاء الشعبي المراد إقامته في اطار تقرير المصير لجنوب السودان. من حيث المبدأ فإن الطرفين متفقان على تقرير المصير لشعب الجنوب السوداني, لكنهما اختلفا في نقطتين اثارتهما الحركة: النقطة الأولى تتعلق بالمرحلة الانتقالية التي تسبق عملية الاستفتاء المقترح. فالحركة تقترح ترتيبات دستورية جديدة للسودان كله خلال تلك المرحلة تقوم على أساس (فصل الدين عن الدولة) . أما النقطة الثانية فتتعلق بالرقعة الجغرافية التي يجب أن تشملها عملية الاستفتاء. فالحركة تصر على ان الاستفتاء على تقرير المصير يجب أن يمتد ليشمل بالاضافة الى جنوب السودان ثلاث مناطق في الشمال هي: (أبيي) و(جبال النوبة) في جنوب اقليم كردفان و(الإنقسنا) في جنوب إقليم النيل الأزرق. إن اصرار الحركة على (فصل الدين عن الدولة) في السودان ككل خلال الفترة الانتقالية يثير الاستغراب في أكثر من ناحية واحدة. فأولا, ومن حيث المبدأ لاتملك حركة قرنق حق التحدث باسم شعب شمال السودان.. وثانيا, فإن الدستور السوداني الراهن يضمن حقوق السودانيين عامة بغض النظر عن العقيدة. إن من حق حركة قرنق أن تطالب بعدم تطبيق قوانين الشريعة الاسلامية على شعب جنوب السودان الذي تتكون اغلبيته من غير المسلمين. لكن كيف يكون من حق قرنق غير المسلم أن يطالب بعدم تطبيق الشرع الاسلامي على شعب مسلم.. هو شعب الشمال السوداني؟ إنني أفهم ان يطالب شعب شمال السودان بتأجيل تطبيق الشريعة أو يطالب حتى بدولة علمانية. لكني لا أفهم ان يطلع شخص ما لايؤمن ابتداء برسالة محمد صلى الله عليه وسلم لينصب نفسه وصيا على قوم مسلمين فيطالب (نيابة عنهم) بعدم تطبيق الشريعة الاسلامية في مجتمعهم. ولولا النهج التعجيزي للحركة في المسار التفاوضي لوافقت على صيغة وسطية تقضي باستثناء اهل جنوب السودان من تطبيق القوانين الاسلامية اثناء المرحلة الانتقالية الى أن يتسنى لهم تقرير مصيرهم النهائي. ثم لماذا ترفض الحركة الدستور الحالي؟ ان هذا الدستور ينص على ان العرف جنباً الى جنب مع الشريعة الاسلامية مصدر للتشريع.. وبذلك يحقق توازنا بين تطلعات الاغلبية المسلمه وتطلعات الاقلية غير المسلمة. كما ينص في باب حرية العقيدة والعبادة على ان (لكل انسان الحق في حرية الوجدان والعقيدة الدينية وله حق إظهار دينه أو معتقده ونشره عن طريق التعبد أو التعليم أو الممارسة) . كما ينص الدستور على أن (جميع الناس متساوون امام القضاء, والسودانيون متساوون في الحقوق والواجبات, وفي وظائف الحياة العامة, ولايجوز التمييز فقط بسبب العنصر أو الجنس أو الملة الدينية, وهم متساوون في الاهلية للوظيفة والولاية العامة) .