لديّ قناعة أكيدة بأننا نحن العرب أمة تغلب عليها العاطفة في كل أمورها أكثر من أي شيء آخر, فنحن عاطفيون حتى في تحليلنا لقضايانا ومشاكلنا, وفي تقييمنا لسياستنا وساستنا, وفي رؤيتنا الخاصة حول الحلول والمخارج من كل المآزق والتحديات التي تحيط بنا . ولو لم نكن عاطفيين أكثر من اللازم لما آل حالنا إلى ما وصلنا إليه اليوم, فنحن اليوم أمة كل أحلامها محصورة في العيش بسلام مع المدعوة (اسرائيل) , وفي تجنب مآزق الانفجار السكاني, وخيبات التنمية, وفي الحصول على قطرة ماء تسمح بها (اسرائيل) , وفق اتفاقيات السلام المبرمة دون ان نضع مخططنا الخاص بنا لتحقيق أقل القليل مما أصبح منتهى أحلامنا, فنحن ما علينا سوى ان نحلم وأمريكا تتكفل بالباقي بالاتفاق مع البنك الدولي. ولأننا عاطفيون فنحن نخاف من الحقائق, ولذلك نحارب الأرقام والاحصائيات, وأصحاب الآراء المخالفة, من هنا يأتي العالم العربي من ضمن الدول الأقل في اجراء البحوث الاحصائية والدراسات الرقمية وفي اعطاء المعلومات الدقيقة حول أجهزة الحكومة وما شابهها من معلومات رسمية. ولأننا عاطفيون فنحن نقع فريسة سهلة للأحاديث التي تتناول تآمر الغرب علينا, ومؤامرة الأمريكان ضدنا وضد اسلامنا. وما أكثر هذه النوعية من الأحاديث بين أولئك الذين يقيمون وضع العالم العربي والاسلامي بشكل عاطفي ومن منظور ضيق تماما, أما عن حديث المؤامرة الكبرى التي تحيكها الصهيونية وأمريكا والغرب ضدنا فهذا هو المثال الأبرز في ضعفنا العاطفي المطلق. فإذا سلمنا بأننا والغرب خصوم كما يتصور أصحاب نظرية المؤامرة, فماذا تنتظر من خصمك سوى ان يتآمر عليك لينتصر في نهاية الأمر؟ إذن فليس غريبا ان تكون هناك مؤامرة بشكل أو بآخر, لكن الغريب هو استسلامنا نحن لهذا الأمر, فنحن في المقابل لم ننتج فعلا مضادا ضد هذا التآمر, لقد استقبلناه باستسلام تام, كل ما فعلناه وما زلنا نفعله هو البكاء على الماضي, والدعاء إلى الله ان يدمر الكفار والصهاينة وألا يذر منهم على الأرض أحدا!! أما دورنا نحن فلا شيء على الاطلاق, استسلام تام في كل مراحل الصراع الحضاري والوجودي والثقافي مع الآخر, وحتى حينما نهزم نبحث عن ألف مبرر للهزيمة بما فيها المؤامرة الخارجية, دون ان نلقي التبعة على أنفسنا أو على أصحاب الهزيمة الحقيقيين والذين نعرفهم جيدا ثم يمر الأمر بسلام, وتمر الهزيمة تلو الهزيمة هكذا على جميع المستويات في السياسة والاقتصاد والتعليم والاعلام و.. آخر خبر قرأته يقول: (ان أحد المراكز البحثية الأمريكية الخاصة بمراقبة عملية السلام في الشرق الأوسط على وشك الانتهاء من دراسة تتركز على مدى التزام المناهج الدراسية في الأردن وسوريا ومصر ولبنان بما أطلق عليه المركز (دروع السلام) حيث زار عدد من علماء المركز الأمريكيين بعض الدول العربية, ودققوا بشكل تفصيلي في جميع كتب (الأردن) من الأول الابتدائي حتى الجامعة للاطمئنان إلى ان ثقافة السلام تسير على قدم وساق! هكذا يتعامل الآخر مع تحدياته المصيرية, أما نحن ـ فللأسف ـ لقد فقدنا شعور الاحساس بالخطر, وللأسف أكثر, صدقنا بأنه يمكن ان نتعايش مع الصهاينة, والأدهى اننا صدقنا بامكانية محبتهم والثقة بهم!